الشعر الفصيح | الشعر العامي | الشعر العالمي | أدباء العرب | الديوان الصوتي | من نحن ؟ | ENGLISH

الأولى >> شعراء العصر الحديث >> واسيني الأعرج >> مسالكُ الخيبة .

مسالكُ الخيبة .

رقم القصيدة : 83689 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد



_1_




قطعت العربة نهر اللوار عابرة الجسر الصغير المؤدي إلى قصر أمبواز قبل أت تتوقف نهائيا بمحاذاة كنيسة سانت _هيبار .

كعادته ،كلما زار مونسينيور ديبوش قصر أمبواز ،مر أولا نحو كنيسة سانت - هيبار ليقف قليلا على قبر ليوناردو فانشي ، عند الهندسة القوطية المركبة والخشنة المسننة قبل أن يتأمل الصفاء الحميمي الذي ينام فيه دو فانشي مستمتعا بالنور الهاديء الذي يتسرب من زجاج النوافذ الملونة والمعشقة بمختلف القطع التي تعكس النور مثل الشلالات الضوئية . مشى مونسينيور خطوات وهو يتحسس أوراقه . الملف الذي بين يديه كبير ومرتبك .الخمسون سنة لم تتعبه لكن مظهر السنوات يبدو واضحا على محياه وكأنه عاش أكثر من سنّه .لحيته المنطلقة حتى صدره وشعره المخفف كثيرا على الأطراف ورشمات الشيب التي تبدو واضحة هنا وهناك ولباسه الفضفاض الذي يشبه لباس الكهنة وصليبه الكبير الذي لا يغادر صدره والخاتم الخشنة التي تملأ جزءا من سبابته ،تعطيه أكثر من سنّة المعتاد . لا يفتأ كلما تحدث ،أن يترك كفه اليمنى تنزلق بين شعر لحيته الكثيفة ، كمن يتسلى بشيء في يده ويتركه ينفلت بين أصابعه كحبات الرمل .



الليلة بكاملها أمضاها وهو يحاول أن يفك تناقضهاتها ولم يستطع . وقف عند باب قصر أمبواز وكأنه يكتشفه للمرة الأولى . بدت له بناياته كبيرة ولكنها خالية من الحميمية. وفي رأسه أسئلة كثيرة كان يحضر نفسه لطرحها على الأمير .لم يخطيء أبدا في الحكم على شخصيتين : دوميشال والأمير . البارحة لم ينم جيدا فقد استعصت عليه الكلمات في الرسالة هو الذي لم يحفل كثيرا بالدنيا حلماه الأساسيان هو أن ينقذ الأمير أولا ، وأن يجد ثانيا روحا سخية تقبل بتنفيذ وصيته . الحلم الثاني يمكنه أن ينتظر قليلا .

رآه الحارس .عرفه . فقد تعود على وجهه البشوش دوما والذي يشرق نورا على الرغم من التهام اللحية الطويلة لجزء كبير منه .

_ صباح الخير مونسينيور . ألم تتعب من الجري . لو كان كل القساوسة مثلك يا مونسينيور لتغير وجه الدنيا نحو الأحسن .

_ متعة أن يركض الإنسان من أجل شيء هو على يقين أنه حق بيّن .

_ طيب الأمير في انتظاركم . دعني أخبره بمجيئكم . هذا اليوم استقبل قادة كثيرين . يبدو أن وضعية البلاد المعقدة انعكست عليه وعلى نفسيته . ومع ذلك فهو يناقش بشكل جيد ولا ينزعج كثيرا من ردود أفعال الناس ونقدهم . هو الآن يصلي . بمجرد الإنتهاء سأنبهك . يمكن انتظاره في القاعة الكبيرة . قهوة كالعادة ؟

_ مع هذا البرد لا أطلب أكثر من ذلك .

عندما شرب الرشفة الأولى شعر بالحرارة تسري في الأعماق وتخط طريقا تحسس مسالكه . نظر من وراء الزجاج ، بان القصر على كل اتساعه ، تسرب قليل من النور لتظهر جليا الركائز والأقواس التي لم تكن تبدو إلا كظلال وأشباح متوازية وثابتة . عندما انتهى من الصلاة وضع الأمير الزريبة على الأريكة وخرج عند المدخل حيث صالة الزوار لاستقبال ضيفه . قال مازحا ، محتضنا

مونسينيور ديبوش:
_ مونسينيور ، جيد أنهم يتركوننا نصلي على الأقل وإلا لتحول هذا القصر إلى محشرة . أعتقد أن الصلاة لا تؤذي أحدا . فهي ليست بيننا وبينهم ولكنه بيننا وبين خالقنا .

_ لا أتعقد أننا وصلنا إلى هذا الحد أيها السلطان الكريم وإلا لن نتحدث عن كائن اسمه الإنسان . الإنسانية يا سيدي عبد القادر ، استحقاق وليست إرثا سهلا .

_ معك حق . الإستحقاق يحتاج إلى مجهودات دائمة للوصول إلى تحقيقه . ديننا يقول ذلك كذلك . يقضي الإنسان العمر كله بحثا عن تأكيد إنسانيته لأن كل ما يحيطه هو عبارة عن مزالق متعددة ، عليه تفاديها بشهامة وعزة نفس .

رد الأمير وهو يجلس بجوار مونسينيور الذي حاول أن يخفف عليه وهن العزلة ، والخيبات المؤلمة . فقط فهم جيدا مراميه :

_ أيها السلطان ، أنت محظوظ كثيرا في هذا القصر .، ترتاح قرب أكبر فنان عظيم أنجبته البشرية : ليوناردوفانشي . ربما هوّن هذا قليلا من حزنك .

_ الوضع مختلف يا مونسينيور . هو على الأقل جاء بخياره ، بدعوة من الملك ليواصل رسوماته واكتشافاته على راحته ورد الخير للذين منحوه له بأن سلمهم لوحته الكبيرة : موناليزا . مونسينيور ، أنت تعرف أن الظلم يبعد عنا رؤية الشياء الجميلة ويقربنا من الخوف والظلام والسود .كلما انزويت وفتحت النافذة نحو الجهة الأخرى من القصر ، ولا أفتحها إلا نادرا ، رأيت الشرفات التي علق عليها أتباع البارون كاستلنو البروتستانت، الذي سلم نفسه للكاثوليك وللملك ولكنه لم يسلم هو بدوره من قطع رأسه . الناس يقفون في مواجهة الشرفات لا يتذكرون حماقة الحكام ولكنهم يستمتعون بأدوات سياحية ، هي في العمق ، أناس تركوا وراءهم حياتهم وأولادهم وذويهم واندثروا . لا ألوم أحدا لدينا ما هو أسوأ في تاريخنا الإسلامي . معظم خلفائنا مروا على النصل ، قتلوا من ذويهم ، كبار علمائنا أحرقوا وابن المقفع شوى حيا ، الحلاج مزق قطعة قطعة ، ابن رشد كاد أن يحرق مع كتبه لولا ضربات الحظ ، ابن عربي اتهمه الجهلة بالمروق وغيرهم . للأديان ، مونسينيور ، أوجه أخرى مظلمة جدا ، ولكني أقول حبذا لو يتعظ الإنسان وهو يرى هذه الجروح ويحس وقعها . قليلا ما أفتح هذه النوافذ لأنها ترميني نحو تواريخ هي من القساوة بحيث يصعب علي تحملها . أفضل أن أبقى أنا وذوي في هذه الدائرة لكي لا نشعر بأن هناك خارجا هو أحيانا أسوأ مما نحن فيه.

_ قصة الشرفات معقدة أيها السلطان ، نجمت عنها كوارث لم توقفها سيول الدماء وكأن قدر البشرية أن تدمى نفسها لكي تدرك بعد نصف قرن أو أكثر أنها أخطأت . اليقين بامتلاك الحقيقة يعمي صاحبه ، ويقوده نحو الهلاك .

_ مونسينيور ، أدرك جيدا أن هذا النهر العظيم الذي يواجهنا اليوم لو استطاع أن يتكلم لصرخ بأعلى صوته . الماريشال فيافيل يقص ذلك في مذكراته بالتفصيل كما ترجمها لي براسوني الطيب الذي آخذ من وقته الكثير . يذكر أن الدم كان يملأ شوارع المدينة . الزبانية المكلفون بقطع الرؤوس والشنق ، الذين أتوا بهم من كل مكان لأداء هذه المهمة ، لم يكونوا كافين . بدون محاكمة ، كان الرجال يرمون مكتفي الأيدي والأرجل حتى امتلأ نهر اللوار بالجثث التي بقيت هناك حتى تعفنت وهجّرت الملك وحاشيته من القصر . منذ ذلك اليوم اندلعت الحروب الدينية التي دامت أكثر من أربعين سنة . هكذا البشر مونسينيور ، لا يعرفون أن الله الذي منح الروح وقدسها ، لا يمكن مسها إلا بالحق . أية قضية تساوي حياة إنسان وعزته ؟ في كل الأديان شيء من التطرف يؤدي إلى هلاكها .



اندهش مونسينيور من ملاحظات الأمير الدقيقة . الأمير يختار الكتب التي تقرأ له بدقة متناهية . يتداول عليه كل من صهره ابن التهامي وبواسوني الذي لا يغادره إلا قليل ، فقط وضع نفسه هو عائلته رهن الأمير .

_ كلامك صحيح تماما ودقيق جدا .

_ كنت أقاتل ليس فقط الفرنسيين ولكني كنت أقاتل حالة العمى التي كانت تصيب بعض خلفائي فيظنون أنهم ملاك الحقيقة فيكفرون ويقتلون من يشتهون . صحيح أن الحروب هذه هي ، ولكن يمكننا أن نحد من جرائمها وانزلاقها حتى عندما تكون هذه الأخيرة عادلة في عمقها ، أو على الأقل لها ما يبررها .

_ الحديث معك شيق ، ولكني هذه المرة جئتك وفي رأسي ما يتعبك فعلا . أسئلتي كثرت هذه الأيام ولكن على الأقل نيتي في الدفاع عن الحق مخلصة . عرفنا بعضنا البعض في أكثر الظروف حساسية يوم تبادلنا الأسرى . لم أرك ولكن من رسائلك عرفت أنني كنت أمام رجل كبير لم يفهمه الفرنسيون والعرب معا . البارحة قضيت الليلة بكاملها أعصر دماغي ووثائقي عبثا ولم أجد جوابا مقنعا لقصة النسخة الخفية من معاهدة دوميشال فهمت من الوثائق التي بحوزتي ، أن نسخة ثانية خبئت عن المسؤولين الفرنسيين . أنا لم أفهم كيف يمكن لإنسان ائتمن على منطقة بكاملها أن يفعل ذلك . لقد نفى ذلك وبعض أتباعه يتهمون التجار اليهود بأنهم كانوا وراء هذه النسخة لتسهيل تجارتهم في الأسلحة والقمح والبارود مع مضيق طارق والإنجليز وحتى مع بعض الموانيء الفرنسية . أنت تعرف أنهم سادة التجارة والحيلة .

_ أعرف جيدا ما ترمي إليه . ابن دوران كان يتحرك باسمي ويستشيرني في الصغيرة والكبيرة . التهمة من هذه الناحية غير مبررة وأتحمل مسؤولية كل ما حدث . صحيح أنه عندما منع من تسويق الحبوب ، أظهر ورقة رسمية باسمي ، تسمح له بالتعامل التجاري في ميناء وهران . وصل الأمر إلى حاكم الجزائر فكبر الأمر وجعل منه قضية معقدة مع أني شرحت في رسائل عدة حسن المقصد . وتم تعويض دوميشال بتريزل رئيس قيادة الأركان وقتها . يبدو لي أن المسألة في عمقها كانت أكبر من هذه الأشياء الصغيرة . الصراعات بين الضباط الإستيطانيين الفرنسيين والذين يبحثون فقط عن الساحل لتأمين تجارتهم كانت على أشدها . الفوضى كانت أولا في أذهان القادة وربما حتى ملك فرنسا :ماذا يفعلون بهذه الممتلكات التي اكتشفوا فجأة أنها ليست صحراء قاحلة لا شيء فيها إلا البحر .دوميشال ذهب ضحية سياسة مهادنة . كان طيبا وإنسانيا في عمقه .

_ عظيم أن تتكلم عن خصمك بهذه الطريقة . لم يشك دوميشال في نزاهتك أبدا ولكنه يضيف في دفاعه أن الورقة المقدمة من طرف بن دوران ليست إلا وثيقة مزورة .

_ الأمور كانت واضحة بالنسبة لنا والأدلة واضحة . عندما اتصل بي الحاكم العام الجنرال دروي ديرلون أكدت له على صدق النوايا .هناك شهود منا ومنهم ، ابن دوران والكابتن دوسان_ هيبوليت المكلف من طرف الحاكم للتأكد بالعين المجردة من صحة الأختام والوثيقة وعاد لقادته بنفس التأكيدات . تأسفت على الجنروال دوميشال وما كان يحدث له . الأمر كان يخص فرنسا وحدها ولم يكن لدي جق في التدخل . عندما شعرت بالرغبة في نكث العهود ، بعثت برسالة إلى الحاكم العام وقلت له بالحرف :

أعرف قواعد المملكة الفرنسية وأعرف كذلك أنه إذا كان الفرنسيون أقوى من أمم أخرى فلأنهم لا يخالفون عهودهم . من هنا من الصعب تدمير معاهدة وقعتها شخصية كانت تملك كل الصلاحيات ومعروفة من طرف الجميع .
مد مونسينيور ديبوش يده عميقا في زرادته الجلدية التي تصحبه دائما وأخرج منها قصاصة صحفية مطوية عدة طيات ثم التفت من جديد نحو الأمير .

_ على ذكر الكابتن دو سانت _ هيبوليت هل تعرف ماذا قال فيك بعد أن أكد على صدق كلامك . أقرأ على مسمعك ما كتبه عنك :

الأمير رجل مدهش . هو في وضعية أخلاقية لا نعرفها جيدا في أوروبا . رجل زاهد في شؤون الدنيا ويظن أنه موكل من طرف الله بمهمة حماية رعاياه . حلمه ليس الحصول على مجد و الهدف الشخصي ليس من مهامه وحب المال لا يعنيه أبدا . ليس ملتصقا بالأرض إلا وفق ما يمليه عليه الله فهو أداته .


القصيدة السابقة (ذاكرة الماء .) | القصيدة التالية ()



واقرأ لنفس الشاعر
  • من رواية: أنثى السراب
  • مسالك الخيبة 2.
  • ذاكرة الماء .
  • من رواية سيدة المقام
  • موقع أدب (adab.com)


    اقترح تعديلا على القصيدة
    اضف القصيدة إلى مفضلتك
    أرسل القصيدة إلى صديق
    نسخة مهيئة للطباعة

    البحث في قسم الأدباء العرب عرض لجميع الأدباء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر النصوص | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | راسلنا

    طه حسين توفيق الحكيم الطيب صالح جورجي زيدان أمين الريحاني  إدوارد الخراط عباس العقاد عبدالرحمن منيف جبرا إبراهيم جبرا محمد عابد الجابري غسان كنفاني واسيني الأعرج مي زيادة عبدالله الغذامي


    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com
    برمجة قهوة نت