الشعر الفصيح | الشعر العامي | الشعر العالمي | أدباء العرب | الديوان الصوتي | من نحن ؟ | ENGLISH

الأولى >> العصر الأندلسي >> ابن شُهيد الأشجعي >> صاحبا الجاحظ وعبد الحميد( التوابع والزوابع )

صاحبا الجاحظ وعبد الحميد( التوابع والزوابع )

رقم القصيدة : 83722 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد



فقال لي زهير: من تريد بعده؟ فقلت: مل بي إلى الخطباء، فقد قضيت وطرا من الشعراء. فركضنا حينا طاعنين في مطلع الشمس، ولقينا فارسا أسر إلى زهير، وانجزع عنا، فقال لي زهير: جمعت لك خطباء الجن بمرج دهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كفيت العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك؟ قال: للفرق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن.
وانتهينا إلى المرج فإذا بناد عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فرسان الكلام. فردوا وأشاروا بالنزول. فأفرجوا حتى صرنا مركز هالة مجلسهم، والكل منهم ناظر إلى شيخ أصلع، جاحظ العين اليمنى، على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة. فقلت سرا لزهير: من ذلك؟ قال: عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ، وكنيته أبو عيينة. قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. فقال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه. وعرفه صغوي إليه وقولي فيه. فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغزى بالسجع، فكلامك نظم لا نثر.
فقلت في نفسي: قرعك، بالله، بقارعته، وجاءك بمماثلته. ثم قلت له: ليس هذا، أعزك الله، مني جهلا بأمر السجع، وما في المماثلة والمقابلة من فضل، ولكني عدمت فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان، وبالحرا أن أحركهم بالازدواج. ولو فرشت للكلام فيهم طولقا، وتحركت لهم حركة مشولم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم.

(1/7)


--------------------------------------------------------------------------------

فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس؟ قلت: نعم، إنها لحاء الشجر، وليش ثم ثمر ولا عبق. قال لي: صدقت، إني أراك قد ماثلت معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم؟ قلت: ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفراهيدي إليه طريق، ولا للبيان عليه سمة. إنما هي لكنة أعجمية يؤدون بها المعاني تأدية المجوس والنبط. فصاح: إنا لله، ذهبت العرب وكلامها! ارمهم يا هذا بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويطير لك ذكرا فيهم. وما أراك، مع ذلك، إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجيء إليهم.
فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمت أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقبة إلى ما يكون منه: لا يغرنك منه، أبا عيينة، ما تكلف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمعك كلفة. ولو امتد به طلق الكلام، وجرت أفراسه في ميدان البيان، لصلى كودنه وكل برثنه. وما أراه إلا من اللكن الذين ذكر، وإلا فما للفصاحة لا تهدر، ولا للأعرابية لا تومض؟ فقلت في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقه، ورب الكعبة! فقلت له: لقد عجلت، أبا هبيرة، - وقد كان زهير عرفني بكنيته - إن قوسك لنبع، وإن سهمك لسم، أحمارا رميت أن إنسانا، وقعقعة طلبت أم بيانا؟ وأبيك، إن البيان لصعب، وإنك منه لفي عباءة تتكشف عنها أستاه معانيك، تكشف است العنز عم ذنبها. الزمان دفء لا قر، والكلام، عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليربوع بكفيك، وألمح من كشى الضب على ماضغيك. فتبسم إلي وقال: أهكذا أنت يا أطيلس، تركب لكل نهجه، وتعج إليه عجه؟ فقلت: الذئب أطلس، وإن التيس ما علمت! فصاح به أبو عيينة: لا تعرض له، وبالحرا أن تخلص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافية لو كان له جحر. فبسطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأت رسالتي في صفة البرد والنار والحطب فاستحسناها.
رسالة الحلواء
ومن رسالتي في الحلواء حيث أقول: خرجت في لمة من الأصحاب، وثبة من الأتراب، فيهم فقيه ذو لقم، ولم أعرف به، وغريم بطن، ولم أشعر له، رأى الحلواء فاستخفه الشره، واضطرب به الوله، فدار قس ثيابه، وأسال من لعابه، حتى وقف بالأكداس وخالط غمار الناس، ونظر إلى الفالوذج فقال: بأبي هذا اللمص، انظروه كأنه الفص؛ مجاجة الزنابير، أجريت على شوابير، وخالطها لباب الحبة، فجاءت أعذب من ريق الأحبة.
ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرخيص، هذا جليد سماء الرحمة، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة، يجرح باللحظ، ويذوب من اللفظ. ثم ابيض، قالوا بماء البيض البض، قال غض من غض، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرة الرقيب! ولمح القبيطاء، فصاح: بأبي نقرة الفضة البيضاء، لا ترد عن العضة. أبنار طبخت أم بنور؟ فإني أراها كقطع البدور؛ وبلوز عجنت أم بجوز؟ فإني أراها عين عجين الموز. وموشى إليها وقد عدل صاحبها بدرهمين، وانتهشها بالنابين، فصاح: القارعة ما القارعة؟! هية! ويل للمرء من فيه! ورأى الزلابية، فقال: ويل لأمها الزانية، أبأحشائي نسجت، أم من صفاق قلبي ألفت؟ فإني أجد مكانها من نفسي مكينا، وحبل هواها على كبدي متينا، فمن أين وصلت كف طابخها إلى باطني، فاقتطعتها من دواجني؟ والعزيز الغفار، لأطلبنها بالثأر! ومشى إليها، فتلمظ له لسان الميزان، فأجفل يصيح: الثعبان الثعبان! ورفع له تمر النشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم! من أين لكم جنى نخلة مريم؟ ما أنتم إلا السحار، وما جزاؤكم إلا السيف والنار. وهم أن يأخذ منها. فأثبت في صدره العصا، فجلس القرفصا، يذري الدموع، ويبدي الخشوع. وما منا أحد إلا عن الضحك قد تجلد. فرقت له ضلوعي، وعلمت أن فيه غير مضيعي. وقد تجمل الصدقة على ذوي وفر، وفي كل ذي كبد رطبة أجر. فأمرت الغلام بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التي أنطقته وتحتوي على ضروبها التي أضرعته، وجاء بها وسرنا إلى مكان خال طيب، كوصف المهلبي:

(1/8)


--------------------------------------------------------------------------------

خان تطيب لباغي النسك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا
فصبها رطبة الوقوع، كراديس كقطع الجذوع؛ فجعل يقطع ويبلغ، ويدحوا فاه ويدفع، وعيناه تبصان كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خصيتان، وأنا أقول له: على رسلك أبا فلان! البطنة تذهب الفطنة! فلما التقم جملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريح عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم. فنثرتنا شذر مذر، وفرقتنا شغر بغر، فالتحمنا منه الظريان، وصدق الخبر فيه العيان: نفح ذلك فشرد الأنعام، ونفخ هذا فبدد الأنام، فلم نجتمع بعدها، والسلام. فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا: إن لسجعك موضعا من القلب، ومكانا من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحة سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه، وقد بلغنا أنك لا تجازى في أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض لك. فمن أشدهم عليك؟ قلت: جاران دارهما صقب، وثالث نابته نوب، فامتطى ظهر النوى، وألقت به في سرقسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تشير، وأبي القاسم وأبي بكر؟ قلت: أجل قالا: فأين بلغت فيهم؟ قلت: أما أبو محمد فانتضى علي لسانه عند المستعين، وساعدته زراقة استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدته شعرا، منه:
وبلغت تجيش صدورهم ... علي؛ وإني منهم فارغ الصدر
أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزا، ... وغاصوا على سري فأعياهم أمري
فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره؛ ... وقال فريق: أيمن الله، ما ندري
أما علموا أني إلى العلم طامح، ... وأني الذي سبقا على عرقه يجري؟
وما كل من قاد الجياد يسوسها؛ ... ولا كل من أجرى يقال له: مجري
فمن شاء فليخبر فإني حاضر، ... ولا شيء أجلى للشكوك من الخبر
وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله: له تابعة تؤيده. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانه من نفسي مكين، وحبه بفؤادي دخيل؛ على أنه حامل علي، ومنتسب إلي.


القصيدة السابقة (صاحب الإفليلي( التوابع والزوابع )) | القصيدة التالية (شيطان امرئ القيس( التوابع والزوابع ))



واقرأ لنفس الشاعر
  • من شعر ابن شُهيد
  • العشق لقرطبه
  • شيطان امرئ القيس( التوابع والزوابع )
  • من شعر على لسان الحيوانات (التوابع والزوابع )
  • صاحب أبي نواس( التوابع والزوابع )
  • صاحب الإفليلي( التوابع والزوابع )
  • موقع أدب (adab.com)


    اقترح تعديلا على القصيدة
    اضف القصيدة إلى مفضلتك
    أرسل القصيدة إلى صديق
    نسخة مهيئة للطباعة

    البحث في قسم الأدباء العرب عرض لجميع الأدباء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر النصوص | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | راسلنا

    طه حسين توفيق الحكيم الطيب صالح جورجي زيدان أمين الريحاني  إدوارد الخراط عباس العقاد عبدالرحمن منيف جبرا إبراهيم جبرا محمد عابد الجابري غسان كنفاني واسيني الأعرج مي زيادة عبدالله الغذامي


    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com
    برمجة قهوة نت