الشعر الفصيح | الشعر العامي | الشعر العالمي | أدباء العرب | الديوان الصوتي | من نحن ؟ | ENGLISH

الأولى >> شعراء العصر الحديث >> إلياس خوري >> من رواية: حصاد العاصفة.

من رواية: حصاد العاصفة.

رقم القصيدة : 83748 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد


أشعلت سيكارة واتكأت بمرفقيها على سور الشرفة الغربية مفلته نظراتها في ظلمة الوادي الخرساء.. إلى أقصى الجنوب ناصت آخر امتدادات أضواء خليج العقبة المتراقصة كفراشات كسلى. فتحت عينيها على وسعهما وحدقت بقوة محاولة اختراق حجب الظلام إلى الشاطىء المقابل لكن لم تكن هناك سوى كتلة سوداء ابتلعت الأفق وغيبته في عتمة سرمدية. مجت من السيجارة بشراهة ثم نفثت الدخان مترافقا بتنهيدة طويلة.
لم يعد ثمة معنى لمزيد من الانتظار. لقد اتخذت قرارها وحزمت أمرها فماذا أصابها الآن؟ لم تعهد في نفسها مثل هذا القلق والاضطراب من قبل.. حتى في أسوأ الأزمات لم تفارقها ثقتها بنفسها. اعتادت أن تمضي قدماً ما إن تدرك أنه ليس ثمة خيار آخر أمامها.. أهو التقدم في العمر؟ لاشك في ذلك.. حسابات المرأة في الخامسة والأربعين هي بالتأكيد غير حساباتها في الخامسة والعشرين، عهد الجسارة والعنفوان والإقدام! الآن صار عليها أن تعد للعشرة قبل أن تقدم على أية مجازفة.. لكنها عدت للألف هذه المرة.
لم يكن طارق يخفي اعتزازة "بجسارتها الطائشة" حين أنقذته من يد الشرطي في مظاهرة باب العمود. أو حين هددّت الخوري أنطوان بأنها ستذهب لتتكلل عند الكاثوليك إن لم يكللهما هو. لكنه لم ينس في الوقت نفسه بأن يحذرها من أن تودي بها تلك الجسارة إلى منزلقات لا تحمد عقباها. فليس في كل مرة تسلم الجرة..وانكسرت الجرة بأسرع مما توقع. تفتتت وتبعثرت شظاياها مع رافايل.
وهزت رأسها بعد تلك الأفكار ثم شدت جذعها ورمت السيكارة ليست الشجاعة ما ينقصها بل الثقة بقدرتها على مواجهة ما بعد الزلزال الذي سيفاجئهم دون سابق إنذار كما فاجأها هي.. ما زالت حتى الآن تشعر بالعجز عن استيعاب المسألة بعقلانية.. لكنه طارق.. كل ما فيه طارق. حركاته.. نظراته.. صوته.. أنفاسه.. لمساته.
بإمكانها كتم الأمر وكأن شيئاً لم يكن ولن يكون هناك شيء إن أرادت.. لكن إلى متى؟ ستكذب على نفسها إن تصورت أن حياتها يمكن أن تستأنف مسيرتها المعتادة وكأن شيئاً لم يكن.. ولكنها إن تكلمت فلن يتبقى شيء كما كان سابقاً.. خياران أحلاهما مر!. فإلام ترددها؟ منذ أسبوع وهي تهيئ نفسها لتلك الساعة. خططت لكل شيء بدقة واحتكام.. حفظت عن ظهر قلب كل كلمة ستقولها، وطريقة لفظها. ومتى تصمت، وكيف تواجههم، وردات فعلهم و..
أجفلت على نباح كلب جدّ قريب أحست وكأنه يدوّي في رأسها. شعرت بتنمل في ساقيها وألم في فخذيها نجما عن وقوفها الطويل. فركت فخذيها وحركت ساقيها تنشّط فيهما الدماء. عادت تحدق إلى العتمة اللانهائية وقد غمرتها الرهبة. كل شيء هادىء ساكن ولكأنما اندغمت عناصر الكون جميعها في تلك اللوحة الآخاذة من بحر وسكون وظلام وسماء بعيدة تعكس ظلال عوالم أخرى غير منظورة.
- علي أن أبلغهم مهما كانت النتيجة.. سأنهار إن لم أفعل!
هزت رأسها بتصميم واتجهت إلى المطبخ. لكنها توقفت حين تناهى إليها صوت إبراهيم يسأل مريم عنها. ردت هذه بأنها في الحمام. انتظرت إلى أن ابتعد ثم دخلت وهي تتنحنح بصوت خافت، رفعت مريم إبريق القهوة عن النار والتفتت إليها قائلة:
- إنه ليس على مزاجه الجنرال!. هناك ما يقلقه وكأنه يشك في أمرٍ ما!.القهوة جاهزة فهل أدعوهم إلى المكتب؟
فركت يديها بعصبية وابتسمت بقلق قبل أن تهمس:
- ليس الآن.. إنني ما زلت متوترة..
حدقت إليها مريم بإمعان قبل أن تقول بحدة:
- هذا واضح عليك.. وجهك أصفر كليمونة.. أخائفة أنت؟
- أنا فعلاً خائفة.. ما رأيك لو أؤجل الموضوع عدة أيام؟
- لا.. عليك أن تنهيه الليلة.. هيا تشجعي يا عواطف.
كم هو سهل إسداء النصح وكم تخونها الشجاعة عملياً. لم تشعر بمثل هذا الوجل حتى وهي ذاهبة إلى منزل رافايل. وكأنما قرأت مريم ما يدور في خلدها همهمت وهي تضع فناجين القهوة في الصينية:
- أتذكرين يوم رحت لعند الكلب رافايل ومعك المسدس وأنت مصممة على قتله؟
توفزت أعصاب عواطف فيما مريم تستدير نحوها مبتسمة:
- خذي معك مسدساً الآن فقد يمدك بالشجاعة!.
اغتصبت عواطف ابتسامة صفراء وقالت متجنبة النظر إليها:
- كان ذلك فيما مضى يا مريم.. لا تنسي أننا لم نعد صغارا!.
- بخ بخ.. أنت ما تزالين عواطف كما كنت دائماً.. كفاك تفكيراً ووافيهم قبل أن يفقدوا صبرهم.
قالت مريم بنبرة آمرة وهي تتملاها بقلق. بادلتها عواطف النظر ثم تنهدت باستسلام وخرجت إلى شرفة الصالون حيث سارت بهدوء إلى الأباجور الموارب ونظرت إلى الداخل.
كان الصالون في حالة مزرية من الفوضى حيث لم تعد قطعة أثاث في مكانها. تبعثرت كراسي "لوي كانز" حول الطاولات الصغيرة التي امتلأت بالصحون والكؤوس وزجاجات المشروب وبقايا الطعام. جلس غسان ويوسف حول مائدة السفرة وقد انهمكا في نقاش لا يخلو من حدّة حول بيروسترويكا غورباتشوف، وتوزع الآخرون، نضال وناديا وعطاف وإبراهيم، غير بعيدين عن الرجلين يصغون إليهما وقد سيطرت عليهم حالة من الخمول واللامبالاة.
ضمّت عواطف ساعديها بقبضتيها وراحت تعتصرها بلطف تاركة لطيف ابتسامة أن يرقى إلى شفتيها دلالة رضاها على نفسها. لاشك أن البند الأول من خطتها نجح نجاحاً طيباً. لم يتغيب أحد رغم أنهم جميعاً، باستثناء إبراهيم، حاولوا الاعتذار متذرعين بحجج شتى أبرزها أن الذهاب للعقبة يعني أن عليهم المبيت هناك، وهذا سيؤثر على برامجهم ليوم الجمعة. لكنها أصرّت على حضورهم.. وجاؤوا.
نعم. إنها ما تزال تحظى بطاعتهم جميعاً رغم كل شيء.


القصيدة السابقة (مقالة: جيلو وموقعة أم درمان) | القصيدة التالية (من رواية: باب الشمس.)



واقرأ لنفس الشاعر
  • مقالة: جيلو وموقعة أم درمان
  • من رواية: باب الشمس.
  • من رواية: مملكة الغرباء .
  • موقع أدب (adab.com)


    اقترح تعديلا على القصيدة
    اضف القصيدة إلى مفضلتك
    أرسل القصيدة إلى صديق
    نسخة مهيئة للطباعة

    البحث في قسم الأدباء العرب عرض لجميع الأدباء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر النصوص | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | راسلنا

    طه حسين توفيق الحكيم الطيب صالح جورجي زيدان أمين الريحاني  إدوارد الخراط عباس العقاد عبدالرحمن منيف جبرا إبراهيم جبرا محمد عابد الجابري غسان كنفاني واسيني الأعرج مي زيادة عبدالله الغذامي


    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com
    برمجة قهوة نت