الشعر الفصيح | الشعر العامي | الشعر العالمي | أدباء العرب | الديوان الصوتي | من نحن ؟ | ENGLISH

الأولى >> شعراء العصر الحديث >> إلياس خوري >> مقالة: جيلو وموقعة أم درمان

مقالة: جيلو وموقعة أم درمان

رقم القصيدة : 83750 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد


شرّ البلية ما يُضحك، مثلما قالت العرب من زمان. والحق ان عرب العصر الحديث امتهنوا البلايا المضحكة، بحيث صارت التراجيديا مجرد كوميديا بائسة، يتم اجترارها مرارا وتكرارا.

فالمتابع لا يستطيع ان لا يشعر بالمهانة وهو يستمع الى حكاية الجسر الجوي الذي اقامته مصر والجزائر الى ام درمان. قلت فُرجت، انتهت مأساة دارفور، فالإخوة العرب قرروا حسم المسألة. لكن الهدف لم يكن دارفور، قلنا ولم لا، ربما قرر العرب مواجهة المجاعة في السودان، او ربما ارادوا لأم درمان ان تكون محطة على طريق وأد الفتنة الشنيعة في اليمن السعيد، ومنع ارض الأجداد من التفكك. بالطبع لم يذهب بنا الخيال الى غزة، كأن يكون اعلان الجسرين الجويين الى السودان خدعة، ويكون الهدف فك الحصار الاسرائيلي الاجرامي عن القطاع. فلسطين لم تعد على جدول اعمال ملوك الطوائف العرب الذين يحكمون هذه 'الساعة المنقلبة'، بحسب تعبير شاعرنا الكبير سعدي يوسف.

لكن المفاجأة التي اعدها حكام مصر والجزائر كانت رياضية. فالجسران الجويان هما من اجل نقل المشجعين الى السودان بهدف حسم موقعة ام درمان في كرة القدم، بين المنتخبين المصري والجزائري. قلنا لم لا، لا شك ان العرب ربحوا كأس العالم، او هم في طريقهم الى ذلك.

ومع الجسرين الجويين ارتفعت لغة الكراهية، واحراق الاعلام والاعتداءات. واستمعنا الى تحريض يندى له الجبين، ورأينا السكاكين ترتفع في الفضاء، والاستغاثات تتوالى، وقادة الدولتين قبضوها جدا. اي ان المشكلة التي يمكن ان يسببها الرعاع من المتفرجين تحولت الى مسألة تتعلق بأمن الدولة، اقتضت تدخل الرئيسين ليس من اجل اطفاء الحرائق، بل بهدف اشعالها.

وتساءلت بيني وبين روحي، عن سبب هذا النزاع الدموي على البطاقة العربية الوحيدة الى مونديال 2010 في جنوب افريقيا. كل ما في الأمر ان الفريق العربي الرابح سوف يخرج من المونديال بخفي حنين كالعادة. اي ان هذه الحماسة الهستيرية هي من اجل ان يكون الرابح العربي اول الخاسرين في المونديال!

ماذا يجري اذا؟ ولماذا هذه الكوميديا السوداء، وهذه البهدلة، وهذا الحقد على الذات؟

اغلب الظن ان المسألة تتعلق بجيلو. وجيلو ليست ملعبا لكرة القدم، بل هي ملعب الكرامة العربية. الذين لا تعنيهم الكرامة وقتلهم العجز عن اغاثة المستغيث، قرروا هدر كرامة شعوبهم في ملعب المريخ في ام درمان. اما جيلو واخواتها فمسألة لا علاقة لها بهذه الاعلام التي لوحت في الفضاء.

وجيلو اسم مستوطنة يهودية في الضفة الغربية قررت اسرائيل توسيعها وإضافة 900 وحدة سكنية اليها، بهدف خنق القدس، في سياق الاستيلاء النهائي على المدينة، وإقامة عازل جغرافي بين شمال الضفة وجنوبها.

اما اسم جيلو، فليس غرائبيا كإسم ملعب المريخ في ام درمان. الاسم تحوير اسرائيلي لاسم قرية فلسطينية تدعى بيت جالا، اقيمت المستعمرة الاسرائيلية على اراضيها المصادرة. لكن العرب فضلوا ان يخوضوا معركتهم الفاصلة في ملعب المريخ، بدلا من خوضها في جيلو.

لا شك ان ابتلاء الأمة الأكبر ليس بعدوها الذي يعمل على تركيعها واذلالها كل يوم، فما تقوم به اسرائيل متوقع ومنطقي. لكن البلاء يأتي من حكام الفشل والضعة والنهب والذلّ. لن يصدّق من سوف يقرأ تاريخ هذه المرحلة مبلغ الاذلال الذي يتعرض له الحكام العرب. يلحسون اقفية الامريكان والاسرائيليين، كي يعطيهم عدوهم اجازة تسمح لهم بإذلال شعوبهم.

الذليل لا يستطيع ان يتحكّم إلا بالأذلاء، وهذا ما يعيشه الانسان العربي في كل يوم. فقر ومجاعة وأمية وجهل وبطالة. 'الحيطيست' الجزائريون، وهم العاطلون عن العمل، ارسلوا الى ام درمان كي يفشوا خلقهم، وفقراء مصر حشدوا من اجل الانتقام، والاعلام السفيه، اشعل نار كراهية الذات. فحين يكره المصري الجزائري والعكس صحيح، يكون كمن يبصق على مرآته. موقعة ام درمان كانت فعل كراهية للذات. فحين تهاجمنا اسرائيل بالمستوطنات وتحوّل مشروع السلام العربي الى مهزلة، يكون الرد بالاستعداد للحرب. اما حين تكون الأنظمة قد تخلت نهائيا عن احتمال المواجهة، ولا همّ لها سوى توريث السلطة للأبناء والإخوة والسلالة.

حين تتحول مصر الى رجل المنطقة المريض وتتخلى طوعا عن دورها، وترى كيف يحل الاتراك والايرانيون في مكانها.

وحين تفقد الجزائر دورها الافريقي، وتصير مريضة بالقمع والجيش والفقر.

وحين تهدر الكرامة وتتهاوى القيم.

عندها لا يكون امام النظامين المصري والجزائري سوى الهرب من جيلو الى ملعب المريخ، وتتحول الرياضة، كغيرها من مظاهر الحياة العربية، الى مسخرة.

لن نقول للأنظمة العربية هذا معيب، ونناشدها التوقف عن لعبة العيب التي لا تتقن سواها. مناشدة الأنظمة أو انتظار أي شيء منها صار هو العيب.

المسؤولية هي مسؤولية الشعوب العربية، ومسؤولية النخب الثقافية في كل مكان من ارض العرب.

تعالوا الى جيلو ايها العرب، هنا تقع المأساة، أما في أم درمان فلن تجدوا سوى المهزلة.


القصيدة السابقة () | القصيدة التالية (من رواية: حصاد العاصفة.)



واقرأ لنفس الشاعر
  • من رواية: باب الشمس.
  • من رواية: مملكة الغرباء .
  • من رواية: حصاد العاصفة.
  • موقع أدب (adab.com)


    اقترح تعديلا على القصيدة
    اضف القصيدة إلى مفضلتك
    أرسل القصيدة إلى صديق
    نسخة مهيئة للطباعة

    البحث في قسم الأدباء العرب عرض لجميع الأدباء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر النصوص | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | راسلنا

    طه حسين توفيق الحكيم الطيب صالح جورجي زيدان أمين الريحاني  إدوارد الخراط عباس العقاد عبدالرحمن منيف جبرا إبراهيم جبرا محمد عابد الجابري غسان كنفاني واسيني الأعرج مي زيادة عبدالله الغذامي


    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com
    برمجة قهوة نت