الشعر الفصيح | الشعر العامي | الشعر العالمي | أدباء العرب | الديوان الصوتي | من نحن ؟ | ENGLISH

الأولى >> شعراء العصر الحديث >> إميل حبيبي >> من فصل : أم الروبابيكا.

من فصل : أم الروبابيكا.

رقم القصيدة : 83806 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد


[ " بالايمان .. راجعون
للأوطان .. راجعون
راجعون ، راجعون
راجعون "

" اغنية فيروزية "

لماذا أدهشكم قولي ، فما صدقتكم ، إن قطيعة عشرين عاما تنسي الإنسان نفسه ؟ وهل هي قطيعة بوعي الآن أصبح شعراؤنا ملء العين والخاطر . وأصبحوا يتدفأون بصمودهم . وصاروا ينتسبون إليهم - " أولئك آبائي .." - فكيف قابلوهم قبل مذراة الخامس من حزيران ، حين أنشد شاعرنا نشيد العودة الأول -" بلادي ترى ،أعود أرى ، ديار الحمى مهد صباي ؟- صاحوا في وجوهنا : ما لكم ولهذا يا قعداء ، ألم ترفضوا الهجرة معنا إلى يثرب ؟! ولماذا تبربرون الآن على " أم الروبابيكا " ، في شارع الوادي في حيفا ، وترفضون أن تصدقوا ما تقوله لكم من انها تشتري كل فراش منهوب من الهضبة ، وكل خزانة عتيقة وكل صندوق ، لعلها ان تجد الكنز الذي تبحث عنه ؟ .. غير معقول .
وهل هذا هو الأمر غير المعقول الوحيد الذي يجري في بلادنا ؟
تستهجنون من " أم الروبابيكا " أنها تشتري جميع دواشك القنطرة ، وتقبلون من السلطات أن ترسي مزاد القنيطرة - بكل ما بقي فيها من أثاث ، صحون قهوة وجران كبة ، فراشي أسنان ونسافات عث ، كتب الفارابي ولفائف المراحيض - على مقاول ذي مال أو ذي دالة ، وتخلي له ساحة لصق عمارة الشرطة ، ومخازن من مخازنها ، يعرض فيها بضاعته على الشارين ؟
وهل كان الأمر أصبح معقولا لو انها أخلت له ساحة في معرض الشرق في عنق تل أبيب !
أنا أعرف أن أحدا لم يقرر أن يقاطع معرض المنهوبات هذا . ولكن أحداً لا يقربهُ . فلا العرب يقربونه ولا اليهود
هذا من ورع وذاك من جزع ، وأخريات لأن موضته قديمة . والمقاول يحلف الأيمان ، بجميع اللغات المتداولة في حوض البحر الأبيض المتوسط ، من الشام لتطوان ، أن بيته خرب ، ولا شأن له بخراب البيوت في الهضبة .. إلا " أم الروبابيكا " ..
الآن أصبح هذا هو لقبها . وأصبحتم تبربرون فيما بينكم بأنها عريقة في النهـب ، وبأنها سنة 1948 نهبت سجاجيد شارع عباس ، وسكنت في القصر الذي نزح منه أبو معروف ، صاحب حانوت " العشرة بقرش " في سوق الشوام في حيفا أيام زمان .
هل رأيتم في وادي النسناس قصورا ؟ من حظ هذه الأطلال أنها تقوم في واد يحميها من رطوبة البحر المالح .. ألم تشرفوا " قصور " عكا القديمة ، فتدق جدرانها النوبة لكم ، هذه الجدران التي لم يستطه سور احمد أن يصونها ؟
ألا تخجلون ؟!
كنتم في الماضي تتلقفون كل سبب ، وتختلقون الأسباب لتقرعوا بابها ، فتقدم لكم القهوة .. وابتسامتها اللطيفة .
وكنتم تلقبونها فيما بينكم ، بملكة الوادي غير المتوّجة . وكانت منذ ذلك الوقت تبحث عن الكنز في الدواشك . فما رأيتم غضاضة في ذلك . فما بالكم تبربرون عليها قد انشقت أمامها أرض الكنوز مرة ثانية ؟ ..إني اعرفها أكثر مما تعرفونها .
لقد اصرّت على البقاء مع والدتها المقعدة حين نزح زوجها وأخذ أولادهما معه ، في سفر الخروج الأول . وحين توفيت والدتها ، بعد خمس سنين من ذلك ، سمعنا ان زوجها يرفض التعرف عليها ، ولا يرغب في أن تعود إليه .
ولم تصدقوا ما كانت تقوله لكم من انها هي أيضا لا ترغب في أن تهجر بيتها . وكنتم تتغامزون عليها . وكنتم تبربرون في أن في الأمر حكاية حـب . ومن غير المعقول أن تبقى في الوادي لغير هذا السبب . فهلا أجبتموني إذن ، لماذا كان من المعقول بقاؤكم أنتم أنفسكم ؟.. إني اعرفها أكثر مما تعرفونها .
كانت تبيع ما سحبت يداها من سجاجيد، ومن كراسي ومن مرايا . وكانت تفتح الدوشك وتبحث فيه عن الكنز، ثم تطويه وتبيعه . وربما وجدت شيئاً . ويوماً زرتها وكانت متربعة على الأرض ، وصف دوشك مبعثر أمامها .
وكانت في يدها رسالة تقرأ فيها وتنشج .. فاستوضحتها الأمر . فقالت : تذكرت أولادي.
- وهذه الرسالة ؟
قالت : واحدة من رزمة رسائل كان شاب يرسلها ، على ما يظهر ، إلى فتاته .. فكانت تخفيها في خرق فتحته في الدوشك.
ثم مسحت دموعها وهتفت : كنوزي ، كنوزي !
وكانت تعيش على ما تجمعه من أثمان ما تبيعه من أثاث البيت ، وتقدم القهوة لكم . وترفض هداياكم .
وكانت إذا دخلتم في الشعر دخلت فيه . وكنتم تسرعون إلى إكمال بيت إذا لم يأتها سوى شطره الأول . وكنتم تهمهمون استحسانا -لؤماً - إذا روت بيتا وقد كسرته.
وإذا دخلتم في السياسة كانت أشدكم حماسا ورغبة في أداء مهمة . فإذا اعتقل أحدكم كانت أسرع من أمه إلى زيارته ، وحمل الطعام إليه وغسل قمصانه.
عشرون سنة أكلت نيرانها ما اختزنته من حطب سفينتها المبحرة نحو كنوز الملك سليمان . كل شيء باعته سوى كنوزها وهذه النيران أحرقت شعرها ، فشاب ، ولكن ابتسامتها بقيَت خضراء لم تفحمها النيران ، لو كنتم تحفلون بابتسامتها كما تحفلون الآن بالبربرة عليها .
........ ]


القصيدة السابقة () | القصيدة التالية (من كتاب : المتشائل.)



واقرأ لنفس الشاعر
  • من كتاب : المتشائل.
  • موقع أدب (adab.com)


    اقترح تعديلا على القصيدة
    اضف القصيدة إلى مفضلتك
    أرسل القصيدة إلى صديق
    نسخة مهيئة للطباعة

    البحث في قسم الأدباء العرب عرض لجميع الأدباء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر النصوص | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | راسلنا

    طه حسين توفيق الحكيم الطيب صالح جورجي زيدان أمين الريحاني  إدوارد الخراط عباس العقاد عبدالرحمن منيف جبرا إبراهيم جبرا محمد عابد الجابري غسان كنفاني واسيني الأعرج مي زيادة عبدالله الغذامي


    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com
    برمجة قهوة نت