مهما هطلتْ هذي العتمةُ في قبوي من ضوضاء طوابقهمْ
|
مهما ارتفعتْ أسوارٌ ، وأحاطتْ قبوي تمنع عني النور
|
وازداد القهرُ بقلب ربيبي المتكومِ قربي
|
بين تلالِ الجوعِ وأكوامِ النقمهْ
|
مهما أنَّ وعذَّبه وجهي المجدور
|
وتقلب من نبض جراحات الفقر، ووجهي الظاهر رغم العتمه
|
وتساءل في حرقته عن نسبي
|
والأجوبة الطالعة بروقاً من دمه تولد
|
لا بد سينهض ذات صباح
|
يصنع من هذا العتم لنا نوراً
|
نتبادل نظرات صارخة:
|
يعرف أني ضربته الأولى
|
خطوته الأولى
|
كي يقترب من الوطن المبعد
|
حسبوا أني مت
|
فرَبّاني في عجف السنوات
|
ما عرفوا أني صرت دماً في قبضته
|
غضباً في نبضته
|
ضوء الدرب له في الأزمات [
|
وسأخرج كالسيف من الغمد،
|
وأظهر في باب المبنى
|
وستجمد أقدام السابلة
|
وتيبس أنصاف الكلمات على الأسنانْ
|
ويبسمل شيخ مشدوه
|
ترسم عابرة شكل صليب
|
يمتقع الشرطي، وترتجف الجدران
|
(أَلِعازرُ ينهض من قبو مظلمْ
|
يبعثه غضب الفقراء
|
يحمل سيف الحقد لهذا الموسمْ )
|
أتأملهم:
|
أمسح صفرةَ أوجههم
|
وجمودَ ملامحهم بالعينين الحاقدتين
|
كانوا منهمكين بأنباء اللعب وبالأزياءْ
|
مَرَّ ربيبي بينهمُ ، وتساءل عن أهلي
|
حتى سقط إلى قبوي إعياءْ
|
والصوت يهوّم حتى تسحقه الضوضاء
|
كانوا موتى ، والآن تفاجئهم خطوات الأحياءْ
|
أنقل خطوتيَ الأولى، تنخلع قلوبٌ ،
|
يضطرب المشهد
|
أمشي.. يحتشدون ورائي مدفوعين بسحر الخوف
|
وعلى باب المبني تصيح أوجههم لغطاً يتجمد
|
تلحقني منه: "استر يا ربْ"
|
أطأ الدرجات، تئن الأبواب
|
أتبع سيل الضحكات المتسرية، وآهات الغنج الشبقه
|
أرفس باب البيت الصاخب يتحطم
|
تدخل قدّامي هبة نور من صبح غفلوا عنه
|
تشهق غانيةُ ، تسقط كأسٌ من شفتيْ شاربها
|
يتسمر نصف البسمة في وجه منافق
|
تجمد كف في خصر امرأة عبقه
|
ينبثق الرعب، يجفف تلك الحركات اللبقه
|
تتعلق أعينهم بي
|
يبرق بين ملامحيَ حزيران الدامسْ
|
يعرف كلٌ منهم وجهي العابسْ
|
يعرف فيه حجم ذنوبه
|
أتقدم في الصمت النابض
|
تتكسر تحت حذائي النظرات القلقه
|
والمصباح المرتجف يوسّع عينيه ويشهق مذهولاً
|
وأنا أبصر في وهج الحقد جروحاً تتهيأ
|
للنزف بطعناتي النزقه
|
أتقدم ، أفتح نافذة كي يأتيني النور ويسمعنا الشارع
|
ألتفت إليهم، أضبط نظرات تبحث عن مَهْرَبْ
|
( تعرفني أمي إذ تلمح في عينيَّ النار
|
تعترف بعينيها الخائفتين
|
وأعرفها بتهدل كتفيها تحت العار
|
من منا حمل الغربة من وجه الآخر؟
|
من منا أخجله مرأى الآخر؟ )
|
هيا اعترفي .. يا أُماً مَوْمَسَها الفقرُ
|
ومرَّغها العتم على أقدام الغرباء
|
من منهم عمي الليلة أو هذي الساعة؟
|
من كان سيطوي الخصر قبيل دخولي؟
|
هيا اقتحمي خوفك وافتضحي هذا الصمتَ
|
أريحيني من عارك فيَّ ومن عاري فيك
|
هيا ابتهجي بقدومي كي أفرح:
|
أنك أرغمت على هذا العمر
|
فأصبحتِ بضاعه
|
هيا يا أمي : أيديهم متشنجةٌ
|
ووجوههمُ تتفصّد ذلاً
|
تنطق معترفه
|
( أنا طفل ولدته خطيئتهم
|
كبر وراء ستار الصخب الأجوف
|
شبَّ برغم الأقنعة الترفه )
|
قولي: هو ذا الذنب المستور يضيء
|
جاء يقاضيكم فهو الشاهد والقاضي والجلاد
|
قولي: هذي القاعة قد شحنت بذنوب العمر
|
فلا أحد من آلام القبو بريء
|
وافتخري بين دموعك بالغضب الهادر بين عروق الأبناء
|
أنا فيهم سكين شحذته سنوات الجوع ونكران الآباء
|
( أمي لا تسمع صوتي )
|
يتزاحم في نفسي الجوع المزمن ،
|
والخوف المستور بضحك ،
|
وحصار الأضواء
|
والقهر ، وحيرتيَ البلهاء أمام جلودهم الحرباء
|
ودمي المتجمع من نزف ضحاياهم
|
تضطرم بغير كلام ،
|
تبرق في حقد أمضى من حد السيف
|
أوليسُ العائد يغلق أبواب القصر
|
على أُسرته المتهمه
|
يطلق سهماً ، يمرق ناراً بينهمُ
|
يعلن إسمه
|
أوليسُ يشدّ القوس
|
يهيء في الصمت لكلٍ سهمه
|
يتحرك صمت القاعة وجلاً
|
تولد في أوجههم آلاف الأعذار
|
يبدأ بلع الريق، وتحريك شفاه يبسّها الخوف
|
تبدأ بسمات مترددة ترجف فوق وجوهٍ متملقةٍ
|
يجهد كلٌّ منهم أن ينطق ،
|
يأتي الصوت صدى من أعماق الآبار
|
أحشرهم بالنظرات النارية في زاوية القاعه
|
تتألق بين الأحداق ذنوب الماضي
|
تتكشف قدامي الأسرارْ
|
أعرفهم قواداً قواداً .. عاهرةً عاهرةً
|
أعرف من كان البائع ،
|
من كان الشاري ،
|
من كان السمسارْ
|
يبدأ لغط الحب الزائف ينسج في خوف صلة القربى
|
يغرقني بعواطف يتقنها التجار
|
وأنا لا أسمعهم
|
أترقب في صمت دقات الساعه
|
أنتظر قدوم ربيبي
|
لن يخرج من هذي القاعة صافر نار |