هي ليلة
|
والريح تهدأ في الربيع
|
تزقزق الأفراح في قلبي
|
وتندلع الزهور على مسار دمي
|
يمر سواد هذا اليتم
|
ثم تعود أمي في شذا الأزهار
|
أمي والربيع التوأمانِ
|
رأيت أمي في المنام
|
فقلت: خيراً
|
وانتظرت مجيئها في العرس
|
ثم رأيتها عنوان مكتة
|
ورحت أقلب الصفحات عنها
|
قلت: خيراً ربما جاءت مع الدرس
|
انتظرت مجيئها إذ يهدأ الاعصار
|
جاءت والربيعَ جنازتين على الضحى محمولتين
|
لا بأس أن تتململ الأشجار
|
فالأوراق تشهد أن في قلبي تراباً
|
والصبا هو آخر الأنفاس من موتاي
|
ظِلُّ العجز ممتد من الشريان حتى نبرة المذياع
|
أو لا بأس أن تتقدم الأعذار
|
إن الشمس غافية
|
وصوتي يائس
|
وأنا المدلى من حبال الصمت
|
أعرف، دون مكرمة،
|
لماذا في دمي تتنهد الأزهار
|
أمي في الربيع جنازة
|
تنداح بين شقائق النعمان
|
قطّفت الزهور وجئت للفرح العصي
|
وفي شكوكي حيطة
|
فالزهر ينفع في الجنائز
|
يسهل التغيير من دمع السعادة
|
نحو شهقات الفجيعة
|
من تغاضي الخوف، والرجفان بين سنابك الحراس
|
نحو تنهد الأسرى
|
ومن صخب الأغاني في اعتزاز النصر
|
نحو تذمر المهزوم كي يخفي مهانته
|
أقول إذن:
|
ترى من كان يعرف أن هذا الموت
|
يبلغ سحره أن يجمل الموتى به
|
أن نلتق بجمال موتنا
|
الذي حجبته عنا زحمة الدنيا
|
وأحلم مثلما يحلو لضعفي
|
سوف تبدأ حربنا برصاصة
|
أطلقتها عمداً على الأفراح والأحزان
|
خاصمت العواطف كلها
|
مذ قُدِّمت قسراً
|
مجهزة بفيض دموعها
|
بالابتسامات الصفيقة
|
والزغاريد البغية
|
سوف أنسى الوشم في وجهي
|
ووهج الذل في عينيّ
|
أنسى أنني أتقنت إظهار البراءة
|
كلما واجهت عيناً
|
كلما أحسست بالخطو الثقيل دنا
|
وأطلقت الرصاص على السعادة
|
إنها موسومة في القلب
|
كي يتمتع السياح
|
أو لا يشمت الأعداء
|
علّ الضيق يخدع
|
هذه الأرض العجيبة أغلقت أوجارها
|
في أوجه الخلعاء
|
ما عادت تقدم غير مقبرة لمن خُلِعوا
|
ومنتجع لكيد الوالغين بعمرنا
|
هل كان نومي في ظلام الكهف أطول من نعاسي؟
|
مَرّ حولي الدهر دون تحية
|
فأفقت ضيقاً بالرقاد
|
وكنتُ لم آنس ولو قبساً على مرمى بلادي
|
لم أواجه لسعة للجمر إلا في فؤادي
|
كيف أترعت الحنايا بالرماد
|
أرى بلاداً غير ما أنشدت من جوق الطفولة
|
غير ما خبأت من أجل الكهولة
|
تلك دنيا غير دنيا
|
غير ما شاهدت في الأحلام
|
أو ما كنت أقرأ في الصحائف
|
تلك دنيا ازّينت بتهدم أو بانهيار
|
إنه رمل يباهي بالجفاف
|
وأوجه تزهو بَمسخٍ
|
بغتة أرضي تضيق بما عليها من تراب
|
والرياح بما لديها من هواء
|
والنجوم بضوئها
|
وأنا أضيق بكل صوت في السكون
|
أشك بالصمت المشوب بأعين
|
راحت تحاصرني بعاصفة الظنون
|
ولم يدم لي مثل ما خلفت
|
غير مجيء أمي والربيع جنازتين
|
لعل هذا الضيق يخدع،
|
كيف جفّفني الشتاء؟
|
وكيف قدّدني الشقاء
|
وصرت أعجز أن أكيل الحقد
|
أن أرجو الحنانْ
|
لم يُبق لي هذا التقهقر غير أمنية ملفقة
|
سمعت ذبائح الأوطان تشكر نصل سكين
|
رأيت جلودها تحشى مواشيَ من جديد
|
كي تبارك ذابحيها الطيبين
|
عرفتُ أني إن صرخت،
|
فكل عضوٍ فيّ يأتي شاهداً ضدي
|
وأني إن هربتُ،
|
وخفَّ خلفي الطاردون
|
فكل عضو فيَّ يدعوهم لكشفي
|
إن وقعتُ
|
وسار بي الفتَّاكُ نحو النطع
|
تخذلني دمائي
|
ثم تشكر للخناجر فضلها
|
وعرفت أني كنت سكيناً،
|
ومذبوحاً
|
وساقية الدماء
|
وعريت من خجلي أمام ذبائحي
|
سأعيِّر الجثث الطريحة بالذباب على مناحرها
|
وبالدم حين ييبس تحتها
|
ولربما أعلنت أن تفسخ القتلى
|
دليل النتن في دمهم
|
عرفت بأنني أحيا بلا عمري
|
ظروفي الآن تسمح لي بطلقة غادر
|
أو طعنة في الظهر
|
تعزية بموتي بعدها
|
برقيتين تعددان مناقبي
|
تستنكران الغدر بي
|
وعلى ضريحي زهرة
|
وخطاب تعزية
|
...ونسياني
|
(الظروف تبيح دعوتا لبذل دمي
|
وحين يفور من فوق الموائد والمكائد
|
أو يطلُّ من الأضابير العتيقة
|
أو من الذكرى
|
الظروف تؤجل الموضوع
|
من أجل التداول في أمور بحثها أجدى)
|
فآه يا دمي
|
ألأنني أرخصت بَذْلَكَ أرخصوك؟
|
لأنني أهملت تضميد الجراح
|
توهموا أني رخيص العمر
|
حين بزغتُ في الأشجار
|
لم يقبل عليّ سوى الخريف
|
يفكّك الأوراق
|
يمسح عن جذوري الماء
|
يقتاد التراب إلى الصخور
|
... وحين أملت بالمستقبل المطري
|
لم يقبل عليّ سوى الفجر المدجج بالصقيعْ
|
وعلى ترامي الأفق
|
تحتشد الزهور لدى ربيع زائف
|
كشف الصبا عن سترة الموتى
|
وجاء محملاً بروائح الجثث العتيقة
|
جاء يجمعنا بها
|
وتقدم الحشد المضيء إلى القبور
|
جنازتان لديه:
|
أمي والربيع.
|
____________
|
من ديوان: للخوف كل الزمان |