الشعر الفصيح | الشعر العامي | أدباء العرب | الشعر العالمي | الديوان الصوتي | ENGLISH
الأولى >> شعراء العراق والشام >> محمد نجيب المراد >> الحصار

الحصار

رقم القصيدة : 82136 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد


قلْ لي بحقِّ اللهِ كيف سأكتبُ وعيونُهُ نابٌ يَعُضُّ ومخلبُ
ويداهُ ضاغطتانِ فوق تَنَفُّسِي فإذا شَهقْتُ فذاكَ ما يَتَسرَّبُ

***

إنْ قلتُ واهاً قال ذاكَ تمردٌ أوْ قلتُ آهاً قالَ ذاكَ تهرُّبُ
أوْ قلتُ وا رباهُ قال تَطَرُّفٌ أوْ قلتُ يا لَلظلمِ قالَ مُخرِّبُ
أوْ صُغْتُ شِعراً بالرُّضاب أجابني: مُتهتِّكٌ، مُتفسِّخٌ ومُشبِّبُ
أو قلتُ يا سلمي نهاني مُعرِضاً حتى تكونَ مَطالعي... يا زينبُ
أو قُلتُها بائيةً عصماءَ قالَ النونُ أوقعُ ههنا أوْ أنسَبُ
وإذا حكيتُ عنِ العصافيرِ الملوَّنةِ التي قُتلتْ أشاحَ يُكذِّبُ
وإذا بكيتُ على الخيولِ رأيتُها مذبوحةً بالأمسِ قال تُؤلِّبُ
وإذا هَمَمَتُ بأنْ أطارحَها الهوى تلكَ التي دمعَ الفيجعةِ تَشرَبُ
أو جئتُ من حيثُ الرجالُ تَقَحَّموا شَزَراً رماني قائلاً: تَتَنكَّبُ؟!
هذا صراطي إنْ أردتَ فمرحبا وإذا أبيتَ فبابُ ناريَ أَرَحبُ

***

أنا كَمْ وقفتُ مُحذِّراً هذا الذي يَدْوي بأعماقي ولا يتهيَّبُ
وبَرئتُ منهُ مُجابِهاً متحدياً لكنهُ ولدي، الأعزُّ الأقربُ
وبكيتُ في الليلِ البهيمِ أَضمُّهُ وأشمُّ ما بين السطورِ وأحَدُبُ
شِعري! حبيبي كلُّ ما كتبتْ يدِي أدركتُ أنكَ خافقي المتعذِّبُ
أدركت لكنَّ الحصارَ كما تَرَى نارٌ على نَهَمٍ تَشبُّ وتَنْشُبُ
إنَّ الحصارَ على فمي وعلى دمي وعلى مساماتي فأين المهرَبُ؟
وخدعتُه متأبِّطاً شَرِّي وخيري مُظهِراً خوفي الذي يَتطلَّبُ
وقمعتُ صوتي واقتلعتُ جوانحي وسَكَتُّ والبومُ المنفِّرُ ينعُبُ
ولقد يكونُ الصمتُ أبلغَ منطقاً إن كان قاضيَنا (جُحاً) أو (أشعبُ)
أنا أعرفُ الفخَّ المركَّبَ إنْ أنا صرَّحتُ متُ وإذ أُلَمِّحُ أُضرَبُ
وإذا صَمّتُ اغتالني وجعُ الغناءِ ولو أُغنِّي بالحياةِ أُغيَّبُ
أنا ذلك الجرحُ المُمِضُّ مُمَدَّداً ويزيدُ إيلاماً إذا أتقلَّبُ
قلمي على كتفي وبحري عاصفٌ حلكَ الظلامُ وضاعَ مني المركَبُ

***

عَتَبي على الأيامِ أعطتني الذي أَخَذَتْ أسىً مني! وجاءتْ تَعتُبُ!
ما نفعُهُ؟ إن كانَ يُعطى في يدٍ وبألفِ رِجْلٍ بعدَ ذلِكَ يُسلَبُ
وإذا حَرمتَ الطيرَ صَدْحَ نشيدِها فالموتُ أرحمُ عندها أو أعذبُ
كم منحةٍ صارتْ بقايا محنةٍ وكمِ انكوى بالصمتِ فَذٌ أنَجَبُ
وكم الجمالُ اللّدْنُ كانَ شقاوةً للفاتناتِ معذِّباً يَتَعذَّبُ
أنا لستُ أدري كيف أملكُ أحرُفي إن كنتُ لا أرتادُها وأنقِّبُ
أو كنتُ لا أتَحَسَّسُ الحرفَ الجميلَ وأنتقي شاماتِه وأرتِّبُ
أنا لستُ أدري لستُ أدري مطلقاً كيف السبيلُ ونزفُ روحيَ يُنهَبُ

***

خُذ ما تشاءُ، ودَعْ ذئابَكَ في دمي وَأْمُرُهُمُ أنْ يأكلوا أو يَشربوا
ولْيلعقوا الشِّعرَ المسافرَ في عروقيَ مثلَ ماءِ المسكِ أو فليسْحَبوا
خيراً تَكَدَّسَ مثل أمطارِ القوافي مُغدِقاً متزايداً لا يَنْضُبُ
أني أنا البئرُ المقدَّسةُ التي نَضحتْ على الأيامِ شِعْراً يُشرَبُ
وهَدَتْ طيورَ البرِّ تروي حرَّها طابَ الهوى عندي وطابِ المشرَبُ
أنا لهفةُ المحرومِ والظمآنِ والجوعانِ شِعريَ للأسى يَتَعَصَّبُ
أنا جئتُ من حيثُ القبيلةُ أَعَلَنتْ أني أبو ذرٍّ وَأَنَّيَ مُصعبُ
وأنا نقوشُ العزِّ والفتحُ الذي ضَجَّتْ له الدنيا وضاقَ الكوكبُ
وأنا ضميرُ الخيلِ في ساحِ الوَغى أرأيتَ خيلاً في الوَغى تَتَجَنَّبُ
وأنا أكفُّ الحاملينَ شهيدَهم وأنا الهتافُ بمجدِه والموكبُ
وأنا صلاةُ الفجرِ تشهقُ بعدما ذُبِحَ المصَّلونَ الذينَ تَأَهَّبوا
وأنا غبارُ "القدسِ" يَسْكنُ مهجتي والمسجدُ الأقصى أنا أو "يثربُ"
وأن قلاعُ الشامِ ترنو للعلا وأنا إلى "الفسطاطِ" مِنِّيَ أقربُ
وأنا "العراقُ" مُسَبِّحٌ بأصابعي وهُنا على صدري يُصلي "المغربُ"
وأنا الذي وشَّى الحروفَ عباءةً فأحبَّها أهلُ النُّهى فَتَعَرَّبوا
وأنا ومنذُ (السيلِ) كنتُ مناهضاً للقمعِ في شِعري وتَشْهدُ "مأرِبُ"

***

أنا رجعُ أصواتِ الملايين الذين بكلِّ ظُلمٍ جُوِّفوا أو ثُقِّبوا
وأنا هديرُ الهمسِ بينَ شفاهِهمْ وجبينُهمْ بالمُرِّ راحَ يُقطِّبُ
وأنا المناديلُ المطرِّزةُ التي رَحَلَتْ معَ البؤساءِ حيثُ تَغَرَّبوا
وأنا أبو الأطفالِ أنثرُ بينهمْ كَبِدي وأتركُها لهمْ كي يَلْعَبوا
وإذا أرادوا النومَ كانتْ مُقلتي مَهْداً وكانَ غطاؤهم ما أَكْتُبُ
وأنا طبيبُ العاشقينَ خَبَرتُهمْ فعرفتُ أن الداءَ أنْ يتطَبَّبوا
ووصفتُ شِعري كلَّ يومِ مرةً بعدَ العَشاءِ لهمْ شراباً يُسكَبُ
فتجمهروا عندي فقلتُ إليكمُ شعري رحيقُ العاشقين فجرِّبُوا
كلُّ النساءِ تُحِّبُّ شِعريَ رقَّةً ويذوبُ قلبُ القاسياتِ ويَطرَبُ
وترى الرجالَ إذا وقفتُ مُغنّياً قالوا أَعِدْ فأعدتُهُ .... فتعجَّبوا

***

إلاّ (صديقي) لا يزالُ مُرَدِّداً بالشِّعِرِ جئتُ متاجراً أَتَكَسَّبُ
ويُهينُ أوراقي ويعرفُ أنها دمعي! أفضِّضُهُ أنا وأُذَهِّبُ
أنا ما عرفتُ الحقدَ كيفَ بشاعرٍ قد عاشَ طولَ العمرِ حُبَّاً يَحلُبُ
لكنني ماذا أُسَمِّي قمعَهُ إنْ لمْ يكنْ حِقداً فماذا أقربُ؟
حاولتُ تفسيرَ النصوصِ كما يرى وإذا رأيتُ خلافَ ذلكَ يَغْضَبُ

***

إِغضبْ فإني لنْ أكونَ سوى أنا قلمٌ على أوراقِ كُرْهكَ مُعشِبُ
إِمنعْ فإنَّ فحولتي تأبى الرَّدى أنتَ العقيمُ وماءُ شِعريَ مُخصِبُ
أَجْهضْ فإنَّ أجنَّتي ملءُ الدُّنا إنِّي الولودُ ورغمَ أنفِكَ أُنجِبُ
رَحِمي هي التاريخُ فاستفتِ الذي عرفَ القراءةَ كيفَ أني الأخصَبُ
إني أنا الأمطارُ والرعدُ الذي ملأَ البلادَ وأنتَ بَرْقٌ خُلَّّبُ
إني أنا الأبقى وانتَ مقامرٌ يأتي وقبل الفجرِ حتماً يَذهبِ
إني عصا موسى فهاتِي أمامها سِحْراً وحشداً جمعُه يتذبذبُ
شِعري سيلقفُ إفكَ سِحرِكَ في ضحىً فأنا بإذن الله دوماً أغلبُ
حاصِرْ شِفَاهيَ بالمقارضِ إنني فوقَ الحصارِ مخلَّدٌ ومقرَّبُ


هل أعجبتك القصيدة؟ اضغط زر (اعجبني) لتشارك آلاف المعجبين



موقع أدب (adab.com)


.

اقترح تعديلا على القصيدة
أضف القصيدة إلى مفضلتك
أرسل القصيدة إلى صديق
نسخة مهيئة للطباعة



القصيدة السابقة (تنهيدة) | القصيدة التالية (تباريحُ الشوق)



واقرأ لنفس الشاعر
  • الأستاذ
  • مصر
  • تباريحُ الشوق
  • الثغر
  • الانحياز
  • الأسوار
  • القيصر
  • تنهيدة
  • الهجرة الخامسة
  • التعايش


  • بحث عن قصيدة أو شاعر في ديوان الشعر الفصيح
    عرض لجميع الشعراء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر القصائد | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | من نحن ؟ | راسلنا

    صلاح عبدالصبور قاسم حداد محمود درويش محمد جبر الحربي نزار قباني  مظفر النواب محمد الماغوط أحمد مطر أحمد عبدالمعطي حجازي أدونيس عبدالوهاب البياتي عبدالرحمن العشماوي عبدالعزيز المقالح سميح القاسم





    Follow Jawal_Adab on Twitter

    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com