غوتفريد بن (1886 1956):
شاعر ألماني من أهم شعراء الحداثة، ولد في بيت واعظ ديني، ودرس الفلسفة واللاهوت ومن ثم اتجه لدراسة الطب، فتخصص في الأمراض الجلدية والتناسلية. لقد نشأ وترعرع في زمن كان الكتاب الألمان يشيعون فيه القرن التاسع عشر كمن يشيع جنازة، فأطلق على تلك النهاية لقب الدورة الزمنية المحتضرة. وجاء القرن العشرون يحمل في طياته تباشير الدمار الشامل والاستعمار المباشر وإعادة تقسيم العالم من جديد، لدرجة أن اندلاع حرب كونية (تنظم فوضى العالم) بات مسألة وقت ليس إلا. وحين اندلعت شرارتها الأولى وجد الكثير من الكتاب الألمان أنفسهم ينخرطون فيها بشيء من التلقائية جبرا أو طواعية: راينر ماريا ريلكه، روبرت موزيل، جيورج تراكل، شتيفان سفايغ، غوتفريد بن، أرنست يونغر.
بيد أن ما يميز بن عن هؤلاء الكتاب الانطباعيين أو الرمزيين هو أنه تحرر شكليا وفي وقت مبكر من النزعة التعبيرية المتدفقة نحو الخارج، ومن الوصف المحاكي للطبيعة. فأخذ يبحث في ذاته عن وسائل تعبير جديدة، تفصح عن دخيلة الإنسان الحديث الذي يراه الشاعر بنفسه دون إيحاءات أو رموز مضمرة؛ وسائل تعبر عن وعيه بالمأساة وأزمة الوجود ليزيح الأستار الثقيلة التي يرزح تحتها المجتمع بتاريخه وأخلاقه وعقائده. إن قصائد بن المبكرة تعبر عن أحاسيس الإنسان المندحر، الوجودي العدمي، الخالي من الأوهام، وقد صاغها بلغة باردة برودة الفولاذ. لقد ذهب بن أبعد من الشعراء الآخرين في تعبيراته الفنية المتطرفة التي أراد بها تجاوز حالة العدم، اعتمادا على مبدأ نيتشه الفلسفي الذي درسه بن وآمن به والذي ينظر الى الحياة باعتبارها الفرصة الحقيقية الوحيدة للإبداع الخلاق والابتكار وتحويل اليأس الى طاقة جمالية تفجر الحواس الإنسانية وتملأها بكل ما هو حسي أرضي إنساني. لكن الانتصار على العدم لا يتحقق إلا عبر التجاوز الواعي للذات واختراق كينونة الإنسان عبر تحطيم الهياكل التقليدية للغة وقدسيتها وأنساقها المألوفة، ليس على مستوى الجملة أو العبارة الشعرية، بل على مستوى المفردة الواحدة أيضا. فكان بن يركّب أحيانا مفردات لاتينية على مفردات ألمانية قديمة ويخلطها بكلمات فرنسية وإغريقية ثم يصوغها بلهجة برلين الشعبية: مفردات بيولوجية وعرقية وتشخيصات سريرية ومصطلحات طبية، يهبها توليفا صوتيا جديدا صارما في جدته، ليس له أدنى علاقة بكل ما قيل من قبل، لكنه ينطوي على معان مرهفة وصادمة في برودتها. إنها الحداثة التي استهل بها بن كتابة أشعاره، عشرة أعوام قبل أن ينشر توماس اليوت (الأرض اليباب) التي تعتبر المحطة الأولى للحداثة الشعرية. فالمجموعة الأولى التي أصدرها بن عام 1912 بعنوان المشرحة جاءت محملة بموضوعات شديدة الجرأة، صادمة مثل ضربات الهراوات، حيث مازج فيها بين ثلاثة تيارات أدبية فلسفية على أقل تقدير: الطبيعانية التي بدأت تلفظ أنفاسها مطلع القرن العشرين بعد أن استنفد آرنو هولتس وغيرهارد هوبتمان وتوماس مان معظم طاقتها، والتعبيرية التي لم تكن أفصحت عن ملامحها بشكل صريح، والوجودية التي لم تتحول بعد الى منهج حياتي ثابت على يد مارتين هايدغر. وبهذا المعنى فإن بن أصبح من رواد الحداثة في القرن العشرين، إن لم يكن من أهم مؤسسيها، وذلك من خلال الدقة الجراحية بكل ما هو أسطوري ميتافيزيقي على الطريقة النتشوية وتلقائية الألم الإنساني المصاغة بمعرفة عضوية مدهشة، إضافة الى الرؤية الفلسفية المكتنفة بالشجاعة والغموض الجمالي. وعلى الرغم من أن بن شرّح جسد الإنسان طولا وعرضا كما فعل في (زهرة الأسطر) و(المصران الأعور)، و(الطبيب) وغيرها من القصائد المشهورة، إلا أنه لم يعثر في نهاية بحثه على أي أثر للروح، مما جعل يأسه يزداد حدة وقتامة، فأخذت قصائده المتأخرة تنحو منحى جنائزياً، بدلاً من نكهة السخرية (المرحة) التي حفلت بها مجموعته الأولى (مشرحة الجثث).
______________
إعداد/ حسين الموزان
يتابعه (
0
)
يتابع (
0
)
المفضلة (
0
)
أضف النصّ
الإبلاغ عن إساءة
الإبلاغ عن هذا المستخدم
Crop Image
تحرير العضو
Warning
You have may be used abusive words in title,hashtag or content. You can ignore this warning and add the post by click on Continue or you can remove the abusive word by click on Edit.
Reset Password!
Reset password link is sent to your email.
Failed to reset password please try again
هل نسيت كلمة المرور ؟!
إدخال بريدك الإلكتروني
تم إرسال رابط تعيين كلمة المرور على بريدك الإلكتروني.
فشل في إعادة تعيين كلمة المرور الرجاء المحاولة مرة أخرى
أهلاً بك مجدداً
للدخول إلى حسابك
انضم إلينا
وثّق أعمالك في أدب
إعادة إرسال رابط التفعيل
أدخل البريد المسجل في حسابك لطلب رابط تفعيل جديد، ثم افتح الرسالة واضغط رابط التفعيل.
لم تجد الرسالة؟ تحقق أيضًا من مجلد الرسائل غير المرغوب فيها.