خربشات على الغبار
Dec 9, 2020 12:23 PM Dec 9, 2020 12:23 PM
(1) صورةٌ تقدَّسَ سرُّها فـي مرآة . أخافُ عليها من ثلاثة : الغبار، وعيونِ الـمارقين ، والخروج . (2) يلفُّ رأسـَها الـمقطوع منديلٌ أغبر، أداتـُها الوحيدة خرقةٌ مبلـَّلة تقرأُ الغبارَ كلَّ يوم . تنظـّفُ الرّفوفَ من الأدب ؟! أم بطنـَها من الفراغ ؟! (3) لأنـَّها الـمرّةُ الأولـى منذ 408 للهجرة ، كانَ الغبار (رضيَ اللهُ عنه) أوّلَ الـمستقبـِلين . وسيكون ... آخرَ من يودِّعـُني عندما أعود إلـى الشـّمال . (4) العصفورُ الهارب إلـى الجنوب ، لم يكن يعرف أنَّ "طـُوبـَة" هو كانون الثـّاني الـّذي هو يناير ، وأنـَّهُ يحمل على ظـَهـْرِه ، فضلاً عن الغبار ، كيسـًا من بردٍ وسلام . (5) جئـْتُ ، لأنَّ لـي هنا صورةً تقدَّسَ سرُّها فـي مرآة . وليذهبِ الكتاب إلـى الجحيم . (6) لا تخافـُوا أيـّها الأحبـّة الوافدونَ من الشـّمال ، ليسـَتْ لـي نيـَّةٌ فـي سـَحـْبِ البساط من تحتِ أحد . ألا يتـّسع فضاؤُكم، هنا أيضـًا ، لعصفورٍ يحبُّ البياض ؟! (7) تأكلـُها العيون أنـَّى ذهبـَتْ . تبصقـُهم جميعـًا حـَسـَبَ التـّرتيب ، ولا تعيد ترتيبَ أحمرِ الشـّفاه . وتدوسُ بكعبـِها العالي أعقابَ مجاملاتـِهم غيرِ السـَّلـِسـَة . ثمَّ تمضي إلـى غايتـِها أسيرةَ حـًلـُمٍ لا يفهمـُهُ اللـَّحـْم إلاّ إذا استحمَّ كلَّ يومٍ فـي البحرِ الـميـّت خـَمـْسَ مرّات . (8) أحبـُّكِ ... كما تشتهين . ولن يفهمـَني أَحـَد . ولن يصدِّقـُوا شاعرًا . وأخافُ ، فـي نهايةِ الـمطاف ، أن أكونَ مثلـَهم ، وتخسري الرّهانَ من جديد ، وأخسرُني . (9) كيلا تخسري الرّهان ، دمـّرْتُ أسلحةَ الدّمارِ كلـَّها . ما كانَ رأسـًا نوويـًّا عادَ إلـى طفولتـِهِ ونام . (10) ذهبـْتُ وحدي إلـى الـمطعم ، حيثُ كنـَّا فـي الأمس . طلبـْتُ الطـَّبـَقَ ذاتـَهُ . لم يكن طيـّبـًا . (11) كان عمري 48 خريفـًا عندما التقـَيـْنا . صرتُ كلَّ يومٍ أصْغـُرُ أسبوعـًا ، وكلَّ أسبوعٍ شهرًا ، وكلَّ شهرٍ سنة . "احـْسـِبـِيـهـَا لـْوَحـْدِكْ بـَقـَى" . (12) أخرجـْتـُهُ . ظهـَّرْتُ الصـُّوَر . الحمدُ لله . والشـّكرُ لآلةِ التـّصوير . ما زالـَتِ الصـُّورَة . تقدَّسَ سرُّها . فـي الـمرآة . (13) لم تستطـِعْ واحدةٌ أن تعيدَ تكويني مثلما فعلـْتِ . سبحانـَكِ تعالـَيـْتِ عمـَّا يقولونَ ولا يفعلون . (14) حينَ أعودُ إلـى الشـّمال سأعيدُ ترتيبَ أوراقي بموجبِ اللـّوائحِ الفاطميـّة . سأوزّع على الـمسلـِّمينَ درسـًا فـي السـّلام مع النـَّفـْس . (15) احـْتـَرِسْ التـّدخينُ يدمـِّرُ الصـّحـّة ويسبـّبُ الوفاة . والشـِّعرُ أيضـًا لكنـَّهُ لا يبيع . (16) عقلي طيـّبُ القلب لا يسمح لقلبي قليلِ العقل أن يغرِّرَ بأحد . سأظلُّ عاقلاً جدًّا إلـى أن يطلبَ الجنون نجدةً من قوّةٍ صديقةٍ تحبُّ الهمالايا ونطير . (17) كائناتٌ من كوكب الإنترنت . يدخلونَ مطعمـًا شعبيـًّا فـي قلبِ القاهرة . يثرثرونَ فوقَ النـّيل ويأكلونَ الكـُشـَرِيّ . يكشـّرونَ ويضحكون بلا وجوهٍ عبيطة يعملـُها الـمسنجر . (18) وأخيرًا يخرجُ الـمولود بما لا يشتهي الحـُلـُم . حسنـًا لا ألومُ القابلة ولا الـمستشفى . وأسناني ليسـَتْ مترفةً بما فيه الكفاية لارتكابِ عضـّةِ إصبع . لا بأس سأتوحـّدُ مع الكتاب وأمضي بعينـَيـْنِ عاجزتـَيـْنِ عن البكاء فـي حضرةِ القابلة . (19) قصيدةٌ سادرةٌ فـي بلـّورِ الرّوح إلـى حدِّ البكاء . سادنٌ أحبـُّهُ كما أحبُّ إخوتي يقرأُها علينا لـ 48 غرضـًا فـي نفسِ يعسوب : ليدرأَ عاصفةً وشيكة ، لتصرفَ النـّظر عن مهنتـِها كقابلة . الأغراضُ الـمتبقـّية ليسـَتْ من اختصاصي . (20) جـَنينٌ يـُدعى "عصفورةَ الجنوب" ، يتشكـّل فـي رَحـِمِ الرُّوح . سيولد على يديها ، وبإذنـِها تعالـَتْ . (21) لنصرفِ النـّظر عن إعادةِ التـّوليد كما الحبرُ يشتهي ، لئلاّ نسفـِّهَ الورق ، ولئلاّ يزيد سنتمترَ آخرَ حزنُ القابلة . (22) مناشيرُ فارغةُ العيون لا يملأُها التـّراب . تحبُّ الشـّجرَ الغريب وتدعو لـَهُ بطولِ الإقامة . (23) بينَ عقلِ الشـّمالِ وقلبِ الجنوب حربٌ ليسـَتْ باردة . بردٌ وسلامٌ غيرُ باردَيـْن بينَ شمالِ القلبِ وجنوبِ العقل . (24) أخذْتِ الكتابَ بقوّةٍ وأمعنـْتِ فـي ليلِ القبيلة . عادَ بخـُفـَّيْ قرفةٍ ما كانَ سحلبـًا . قرأنا سطرًا تحتَ جنحِ النـّهار. على البابِ نقرةٌ تـُوقـِفُ الحصانَ عن النـّموّ . (25) لـَكِ فـي القلبِ مستعمـَرة . من قالَ إنـِّي أكرهُ الاستعمار ؟! (26) على ضوءِ دمعـَهْ تـَقـَرَّيـْتُ صمتَ النـّبيـّةِ خمسـًا وركعـَهْ (27) رأسُ "الحـُسـَيـْنِ" يعرّيك . تهرول إلـى "شرمِ الشـّيخ" . تختبئ فـي عباءةِ "السـّلام" . (28) دمعٌ يتساقط على بذلةِ العيد . محمـّدٌ يبكي بينَ يـَدَيّ . وتذهبُ فاطمة لرؤيةِ عـُمـَر . لأوّلِ مرّةٍ أبتعدُ عن العيد . (29) مسؤولٌ على الهواء . لا ماءَ فـي الأرضِ ولا حطب . والسـّماءُ فـي إجازة . (30) البارجةُ فـي عرضِ الفقرِ منذُ البارحة . ينزلُ الجنود إلـى شاطئِ الحبرِ جائعين . الكتبُ عاهراتُ فاخرة. محافظُ النـّقود تتثاءب وتزني بعيونـِها . (31) "طلعت حرب" ، أوّلَ أيـّامِ العيدِ مساءً ، لا مكانَ لإبرةٍ كي ترنَّ براحتـِها . (32) فضلاً عن الـّذي "بـَالـِي بـَالـَكْ" : أمّ الدّنيا والنـّيل والأهرام "وبتاع" ، فـي القاهرة شيءٌ من عكـّا وحيفا والنـّاصرة . عينٌ بصيرةٌ ويدٌ قصيرة . أهلـُها طيـّبون لا يشبهونَ أشباهـَهم فـي السـّينما . مطحنةٌ والقمحُ "زَلـَطٌ" أسمر . الحزنُ خوفو ، والدّمعُ نيلٌ يصبُّ فـي السـّماء . (33) أراني جنينـًا فـي رَحـِمِ قصيدةٍ راهبة .. من ظـَهـْرِ حـِبـْرٍ قـُدُس . (34) الأرضُ مصابةٌ بسرطانِ السـّماء . هل "عملنا اللـّي علينا" لنلقي "الباقي على ربـِّنا" ؟! (35) أوّلَ أيـّامِ العيد فـي القاهرة ، لا شيءَ مفتوحـًا سوى ما ينتظرُ الـمطر . (36) طفلٌ طويلٌ من ليبيا تشيبُ لحيتـُهُ فـي القاهرة منذُ ثلاثينَ لوحة . (37) قالـَتْ : لا تظنـَّنَ بي سوءًا ، يا سيـّدي. لسـْتُ مدمنةً أنا ، ولم أخرج من جلدتي . تعرّيني عيونـُكم ، فأتستـّر بالدّخان . (38) طالَ غيابُ الحرسِ القديم ، ونصفُ الـمرعى يعيـّدُ فـي القلعة . والـمفتاح فـي جيبِ العيد ، والعيد فـي إجازة ، والإجازة خارجَ القاهرة ، والقاهرة ليسـَتْ جميلةً حينَ يفيض حزنُ القابلة . (39) الكتب لدى "مدبولي" أعضاءُ ناشطون فـي تنظيمٍ يـَرْقـَى إلـى الـمرّيخ . (40) مندهشـًا من جرأتـِه وبتشجيعٍ من الضـّجيج وما عـَبَّ من جعة ، يسحبُ القلم ويكتبُ على منديل . يدٌ تفحُّ تحتَ الـمنضدة تقطفُ الرّسالة وتخرجُ من البخار . بعدَ ساعات لا يتـّفقان على مطر . ويذهب كلٌّ إلـى الـمطار .


الكاتب: تركي عامر
0المفضلة
16311 المشاهدات
0 تعليقات