• هذه البلاد شقة مفروشة !

    هـذي البـلادُ شـقَّـةٌ مَفـروشـةٌ ، يملُكُها شخصٌ يُسَمّى عَنترَهْ ? يسـكَرُ طوالَ الليل عنـدَ بابهـا ، و يجمَعُ الإيجـارَ من سُكّـانهـا .. وَ يَطلُبُ الزواجَ من نسـوانهـا ، وَ يُطلقُ النـارَ على الأشجـار ? و الأطفـال ? و العيـون ? و الأثـداء ?والضفـائر المُعَطّـرَهْ ... هـذي البـلادُ كلُّهـا مَزرَعَـةٌ شخصيّـةٌ لعَنـترَهْ ? سـماؤهـا .. هَواؤهـا ? نسـاؤها ? حُقولُهـا المُخضَوضَرَهْ ? كلُّ البنايـات ? هنـا ? يَسـكُنُ فيها عَـنتَرَهْ ? كلُّ الشـبابيك علَيـها صـورَةٌ لعَـنتَرَهْ ? كلُّ الميـادين هُنـا ، تحمـلُ اسـمَ عَــنتَرَهْ ? عَــنتَرَةٌ يُقـيمُ فـي ثيـابنـا ? فـي ربطـة الخـبز ? و فـي زجـاجـة الكُولا ، وَ فـي أحـلامنـا المُحتَضـرَهْ ... مـدينـةٌ مَهـجورَةٌ مُهَجّـرَهْ ? لم يبقَ ? فيها ? فأرةٌ ، أو نملَـةٌ ، أو جدوَلٌ ، أو شـجَرَهْ ? لاشـيء ? فيها ? يُدهشُ السّـياح إلاّ الصـورَةُ الرسميّـة المُقَرَّرَهْ .. للجـنرال عَــنتَرَهْ ? فـي عرَبـات الخَـسّ ، و البـطّيخ ? فــي البـاصـات ، فـي مَحطّـة القطـار ، فـي جمارك المطـار.. فـي طوابـع البريـد ، في ملاعب الفوتبول ، فـي مطاعم البيتزا ? و فـي كُلّ فئـات العُمـلَة المُزَوَّرَهْ ? فـي غرفَـة الجلوس ? فـي الحمّـام .. فـي المرحاض .. فـي ميـلاده السَـعيد ، فـي ختّـانه المَجيـد .. فـي قُصـوره الشـامخَـة ، البـاذخَـة ، المُسَـوَّرَهْ ? مـا من جـديدٍ في حيـاة هـذي المـدينَـةُ المُسـتَعمَرَهْ ? فَحُزنُنـا مُكّرَّرٌ ، وَمَوتُنـا مُكَرَّرٌ ،ونكهَةُ القهوَة في شفاهنـا مُكَرَّرَهْ ? فَمُنذُ أَنْ وُلدنـا ،و نَحنُ مَحبوسُونَ فـي زجـاجة الثقافة المُـدَوَّرَهْ ? وَمُـذْ دَخَلـنَا المَدرَسَـهْ ،و نحنُ لانَدرُسُ إلاّ سيرَةً ذاتيّـةً واحـدَهً ? تـُخبرنـا عـن عَضـلات عَـنتَرَهْ ? وَ مَكـرُمات عَــنتَرَهْ ? وَ مُعجزات عَــنتَرَهْ ? ولا نرى في كلّ دُور السينما إلاّ شريطاً عربيّاً مُضجراً يلعبُ فيه عَنتَرَهْ ? لا شـيء ? في إذاعَـة الصـباح ? نهتـمُّ به ? فـالخـبَرُ الأوّلُــ ? فيهـا ? خبرٌ عن عَــنترَهْ ? و الخَـبَرُ الأخـيرُ ? فيهـا ? خَبَرٌ عن عَــنتَرَهْ ? لا شـيءَ ? في البرنامج الثـاني ? سـوَى : عـزفٌ ? عـلى القـانون ? من مُؤلَّفـات عَــنتَرَهْ ? وَ لَـوحَـةٌ زيتيّـةٌ من خـربَشــات عَــنتَرَهْ ... و بـاقَـةٌ من أردَئ الشـعر بصـوت عـنترَهْ ? هذي بلادٌ يَمنَحُ المُثَقَّفونَ ? فيها ? صَوتَهُم ،لسَـيّد المُثَقَّفينَ عَنتَرَهْ ? يُجَمّلُونَ قـُبحَهُ ، يُؤَرّخونَ عصرَهُ ، و ينشُرونَ فكرَهُ ? و يَقـرَعونَ الطبـلَ فـي حـروبـه المُظـفَّرَهْ ? لا نَجـمَ ? في شـاشَـة التلفـاز ? إلاّ عَــنتَرَهْ ? بقَـدّه المَيَّـاس ، أو ضحكَـته المُعَبـرَهْ ? يـوماً بزيّ الدُوق و الأمير ? يـوماً بزيّ الكادحٍ الفـقير ? يـوماً عـلى طـائرَةٍ سَـمتيّـةٍ .. يَوماً على دبّابَة روسيّـةٍ ? يـوماً عـلى مُجَـنزَرَهْ ? يـوماً عـلى أضـلاعنـا المُكَسَّـرَهْ ? لا أحَـدٌ يجـرُؤُ أن يقـولَ : " لا " ، للجـنرال عَــنتَرَهْ ? لا أحَـدٌ يجرؤُ أن يسـألَ أهلَ العلم ? في المدينَة ? عَن حُكم عَنتَرَهْ ? إنَّ الخيارات هنا ، مَحدودَةٌ ،بينَ دخول السَجن ،أو دخول المَقبَرَهْ .. لا شـيء فـي مدينَة المائة و خمسين مليون تابوت سوى ? تلاوَةُ القُرآن ، و السُرادقُ الكبير ، و الجنائز المُنتَظرَهْ ? لا شيء ،إلاَّ رجُلٌ يبيعُ - في حقيبَةٍ - تذاكرَ الدخول للقبر ، يُدعى عَنتَرهْ ? عَــنتَرَةُ العَبسـيُّ ? لا يَترُكنـا دقيقةً واحدَةً ? فـ مَرّةَ ، يـأكُلُ من طعامنـا ? و َمـرَّةً يشرَبُ من شـرابنـا ? وَ مَرَّةً يَندَسُّ فـي فراشـنا ? وَ مـرَّةً يزورُنـا مُسَـلَّحاً ? ليَقبَضَ الإيجـار عن بلادنـا المُسـتأجَرَهْ

    الكاتب: نزار قباني

    0المفضلة

    169363 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من نزار قباني

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • هذه البلاد شقة مفروشة !