حبيبتي تنهض من نومها
Dec 9, 2020 12:38 PM Dec 9, 2020 12:38 PM
حبيبتي تنهض من نومها طفولتي تأخذ، في كفّها، زينتها من كل شيء.. و لا _ تنمو مع الريح سوى الذاكرة لو أحصت الغيم الذي كدسوا على إطار الصورة الفاترة لكان أسبوعا من الكبرياء و كلّ عام قبله ساقط و مستعار من إناء المساء.. يوم تدحرجت على كل باب مستسلما للعالم المشغول أصابعي تزفر: لا تقذفوا فتات يومي للطريق الطويل بطاقة التشريد في قبضتي زيتونة سوداء، و هذا الوطن مقصلة أعبد سكّينها إن تذبحوني، لا يقول الزمن رأيتكم! و كالة الغوث لا تسأل عن تاريخ موتي، و لا تغيّر الغابة زيتونها، لا تسقط الأشهر تشرينها ! طفولتي تأخذ في كفها، زينتها من أي يوم و لا _ تنمو مع الريح سوى الذاكرة و إنني أذكر مرآتها في أول الأيام،حين اكتسى جبينها البرق، لكنني أضطهد الذكرى، لأن المسا يضطهد القلب على بابه.. أصابعي أهديتها كلها إلى شعاع ضاع في نومها و عندما تخرج من حلمها حبيبتي أعرف درب النهار أشق درب النهار. كلّ نساء اللغة الصافية حبيبتي.. حين يجيء الربيع الورد منفيّ على صدرها من كل حوض، حالما بالرجوع و لم أزل في جسمها ضائعا كنكهة الأرض التي لا تضيع كل نساء اللغة دامية حبيبتي.. أقمارها في السماء و الورد محروق على صدرها بشهوة الموت، لأن المساء عصفورة في معطف الفاتحين و لم أزل في ذهنها غائبا يحضرها في كل موت وحين .. كل نساء اللغة النائمة حبيبتي تحلم أنّ النهار على رصيف الليلة الآتية يشرب ظل الليل و الانكسار من شرف الجندي و الزانية تحلم أن المارد المستعار من نومنا، أكذوبة فانية و أن زنزانتنا، لا جدار لها، و أن الحلم طين و نار كل نساء اللغة الضائعة حبيبتي.. فتشت عتها العيون فلم أجدها. لم أجد في الشجر خضرتها.. فتشت عنها السجون فلم أجد إلاّ فتات القمر فتّشت جلدي.. لم أجد نبضها و لم أجدها في هدير السكون و لم أجدها في لغات البشر حبيبة كل الزنابق و المفردات لماذا تموتين قبلي بعيدا عن الموت و الذكريات و عن دار أهلي ؟.. لماذا تموتين قبل طلاق النهار من الليل .. قبل سقوط الجدار لماذا؟ لكل مناسبة لفظة.. و لكن موتك كان مفاجأة للكلام و كان مكافأة للمنافي و جائزة للظلام فمن أين اكتشف اللفظة اللائقة بزنبقة الصاعقة؟ سأستحلف الشمس أن تترجل لتشربني عن كثب .. و تفتح أسرارها .. سأستحلف الليل أن يتنصل من الخنجر الملتهب و يكشف أوراقه للمغني تفاصيل تلك الدقائق كانت.. عناوين موت معاد و أسماء تلك الشوارع كانت.. و صايا نبي يباد و لكنني جئت من طرف السنة الماضية على قنطرة ألا تفتحين شبابيك يوم جديد بعيد عن المقبرة؟!.. لأبطالنا، أنشد المنشدون و كانوا حجارة و كانوا يريدون أن يرصفوا بلاطا لساحاتنا وصمتا، لأن السكوت طهارة إذا ازدحم المنشدون و يبدو لنا حين نطرق باب الحبيب بأن الجدار وتر و يبدو لنا أنه لن يغيب سوى ليلة الموت، عنّا و لكننا ننتظر ألا تقفزين من الأبجديه إلينا، ألا تقفزين؟ فبعد ليالي المطر ستشرع أمتنا في البكاء على بطل القادسية ! أسحل دقات قلبك فوق الجفون و أعصب بالريح حلقي إذا كثر النائمون.. و من ليل كل السجون أصيح: أعيدوا لنا بيتها أعيدوا لنا صمتها أعيدوا لنا موتها.. عيناك، يا معبودتي، هجرة بين ليالي المجد و الانكسار. شرّدني رمشك في لحظة ثم عادني لاكتشاف النهار. عشرون سكّينا على رقبتي و لم تزل حقيقتي تائهة و جئت يا معبودتي كلّ حلم يسألني عن عودة الآلهه _ترى !رأيت الشمس في ذات يوم ؟ _رأيتها ذابلة.. تافهة في عربات السبي كنا، و لم تمطر علينا الشمس إلاّ النعاس كان حبيبي طيبا، عندما ودعني .. كانت أغانينا حواس . عيناك، يا معبودتي،منفى نفيت أحلامي و أعيادي حين التقينا فيهما! من يشتري تاريخ أجدادي ؟ من يشتري نار الجروح التي تصهر أصفادي؟ من يشتري الحب الذي بيننا؟ من يشتري موعدنا الآتي؟ من يشتري صوتي و مرآتي ؟ من يشتري تاريخ أجدادي بيوم حريّة؟.. _معبودتي! ماذا يقول الصدى ماذا تقول الريح للوادي؟ _كن طيّبا، كن مشرقا طالردى و كن جديرا بالجناح الذي يحمل أولادي.. ما لون عينيها؟ يقول المساء: أخضر مرتاح على خريف غامض.. كالغناء و الرمش مفتاح لما يريد القلب أن يسمعه. كانت أغانينا سجالا هناك على جدار النار و الزوبعة _هل التقينا في جميع الفصول؟ _كنا صغيرين. و كان الذبول سيّدنا _هل نحن عشب الحقول أم نحن وجهان على الأمس؟ _الشمس كانت تحتسي ظلنا و لم نغادر قبضة الشمس _كيف اعترفنا بالصليب الذي يحملنا في ساحة النور؟ _لم نتكلم نحن لم نعترف إلا بألفاظ المسامير!.. عيناك، يا معبودتي ،عودة من موتنا الضائع تحت الحصار كأنني ألقاك هذا المساء للمرة الأولى.. و ما بيننا إلا بدايات، و نهر الدماء كأنه لم يغسل الجيلا. أسطورتي تسقط من قبضتي حجارة تخدش وجه الموت و الزنبق اليابس في جبهتي يعرف جو البيت.. _من يرقص الليلة في المهرجان _أطفالنا الآتون _من يذكر النسيان؟ _أطفالنا آتون _من يضفر الأحزان إكليل ورد في جبين الزمان ؟ _أطفالنا الآتون _من يضع السكر في الألوان؟ _أطفالنا الآتون _و نحن يا معبودتي ، أي دور نأخذه في فرحة المهرجان ؟ _نموت مسرورين في ضوء موسيقي أطفالنا الآتين !..


الكاتب: محمود درويش
1المفضلة
116596 المشاهدات
0 تعليقات