• نصفُ نُوتة

    رتَّبا المساءَ إذن على النحو الذي يليقُ بشاعريْن. يمكنُ لشاعرٍ أن يشقَّ البحرَ بخنصرِه يروِّضَ المعاركَ ، يلهو بقطعِ الكونِ فوق طاولتِه ، ثم يُخرجَ من جيبِ سترتِه حفنة شهبٍ ينظِمُها عُقدًا لامرأتِه. وحدَه الشاعرُ من أقنعَ التاريخَ بالتنحّي. رتَّبا المساءْ ، بعدما أغلقا النافذةَ على الصواريخِ ذاتِ الرؤوسِ ، وأقدامِ المارينز صوب دجلةَ ، أغمضا عن عيونِ الثكلاواتِ لأن الخنساءَ لم تقرأْ "سوزان برنار" ، وآذارَ وقتُ الحياةْ. قالَ : لنا جبهةٌ أخرى : ساحةُ الورقِ و طلقاتُ المدادْ ، ثم إنَّا من نشجبُ القراراتِ وننددُ بخرقِ معاهدةِ جنيف ، عدا فائدتنا في استشعارِ الخطرْ على قولِ" عبد الصبور " حين قارنَ بين الفئرانِ وبيننا. ثم قرأ قصيدتَه. قالت : لأني أمتلكُ حدسَ الشعراءِ: فإن معركةَ التحريرِ النظيفةَ ستغدو احتلالاً بعد واحدٍ وعشرين يومًا ، ولأن شاعرًا نصفَ كلاسيكيٍّ قال قولةً أحببتُها ، و لبعد الحداثةِ أن تتفوقَ بحسِّها الحياديّ ، وبما أن عشراتِ الدواوين ستُكتبَ ، أبادرُهم قائلةً: "إلى بغدادَ طريقٌ واحدٌ يَمرُّ من فوهةِ قلمْ !" أنهيا القصيدتين . افترشا أرضَ الردهةِ ببساطِ كرداسةَ ، غلَّفا الحيطانَ بالأفرخِ الزرقاءْ و إصداراتِ العامِ الجديدْ ، أحكما عوازلَ الصوتِ و أعدّا المقاعدَ للأوركسترا . بائعُ القناديلِ وفيروزْ تورطّا في الأمرِ سريعًا ، فتحدثَ النِّفَّريُّ عن اتساعِ الرؤيةِ وضيقِ التنفسِ ، بينما استسلمَ ناجي للرَمَلِ و أطلالِ الموصِلِ وقَسوةِ الحبيبةِ وحزبِ البعثْ ، و اعتذرَ " أبو نواس " عن المجيء. يتكلمونَ عن الاثنين وثلاثينَ إنذارًا وقرارِ نزعِ السلاحْ ، والبنتِ - ذات الـ تي شيرت الأحمرْ - التي دهستْها الشاحنةُ قبل يومين ، أمامَ مجلسِ الأمن. يتكلمونْ عن المرأةِ التي التقطتْ حبيبَها من جوارِ السفارةِ البريطانيةِ ، ليبتكرا مساءً يخصُّ الشعراءَ وحسبْ . مساءً أجادَ صنعَه المدعوون المقاعدُ الخاليةُ ، و الأبنوديُّ بياعُ القناديلِ وسجادُ كرداسةَ ، و الألمْ . وحدَه " نصير شمّة " من أفسدَ الخُّطةَ ، إذ اعترضَ على اختيارِ هذا المساءِ تحديدًا فحذفَ نصفَ النوتةِ ردًّا على قصفِ بغدادْ !

    الكاتب: فاطمة ناعوت

    0المفضلة

    6548 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من فاطمة ناعوت

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • نصفُ نُوتة