العشاق الثلاثة
Dec 9, 2020 12:39 PM Dec 9, 2020 12:39 PM
سرى القمر الوضّاح بين الكواكب يفكّر فيما تحته من غياهب فناداه من وادي الخليّين هاتف بصوت محبّ في الحياة مقارب يقول له : يا روعة الحسن و الصّبا و أجمل أحلام اللّيالي الكواعب أنا العاشق الوافي إذا جننّي الدّجى و راعيك بين النّيرات الثّواقب ألا ليتني حرّ كضوئك أرتقي عوالمك الملأى بشتّى العجائب و يا ليت لي كنز ابتسامتك التي تبعثرها في الكون من غير حاسب *** فاصغي إليه الضّوء في صفو جذلان و أضفى على الوادي شعاع حنان و جاس خلال السّحب و الماء و الثّرى فلم ير في أنحائها وجه إنسان فصاح به : يا صاحبي ضلّ ناظري فأين ترى ألقاك أم كيف تلقاني فأوما له إنّي هنا تحت شرفتي وراء زجاجيها أخذت مكاني أبى البرد أن أستقبل اللّيل قائما و أن أنزل الوادي بحيث تراني و حسب الهوى من عاشق لك وامق تزوّد عيني من سنا ضوئك الحاني ! *** فألقى عليه الضّوء نظرة حائر و أعرض عنه بابتسامة ساخر و قال له : يا صاحبي قد جهلتني و يا ربّ شعر ساقه غير شاعر أنا الموثق المكدود طالت طريقه طريق أسير في رعاية آسر تجاذبني طاحونة الشّمس كلّما وقفت و تمضي بي سياط المقادر و ما بسمتي إلا دموع من اللّظى قد التمعت في وجه سهمان حاسر فدع عنك يا أعجوبة الحبّ عالمي فقبلك لم يلق الأعاجيب ناطري ! *** و أمعن في تفكيره القمر الزّاهي فمر بارض ذات عشب و أمواه يناجيه منها عاشق ذو ضراعة مناجاة صوفيّ لطيف إله بقول له : يا مشهدي كلّ ليلة على أنّه في النّاس من غير أشباه و ترسم لي الأشباح طيف خياله فأدنو لضمّ أو للثم شفاه تمنّيت لو وسّدت خدّك راحتي و صدرك خفّاق ، و جفنك ساهي *** فرفذ على الوادي الشّعاع طروبا و ناداه من بين الظّلال مجيبا : أزح هذه الأغصان عنك لعلّني أصافح و جها ، من هواك حبيبا فجاوبه : يا قرّة العين إنّني قد اخترت من شطّ الغدير كثيبا إذا أتعبت عيني السّماء تطلّعا و خالست احظا للنّجوم مريبا ففي صفحات الماء نهزة عاشق يراك على بعد المزار قريبا خلوت به ، أرعاك أو في قسامة و أوفر من سحر الجمال نصيبا ! *** فغاض ابتسام الضّوءمن فرط حيرة و صاح : نجييّ أنت حقّرت سيرتي هو الكون مرآتي ، و مجلى مفاتني و ما لغدير أن يمثّل صورتي و ما نظر العشّاق إلاّ لعالم يعظّم في المعشوق كلّ صغيرة أعيذ الذي شبّهتني بجماله أديم محيّا مثل صمّاء صخرتي أنا الفحمة البيضاء إن جنّني الدّجى أنا الحمّة السوداء ، رأد الظهيرة فدع عالم الأفلاك و اقنع بلجّة و غازل من الأسماك كلّ عزيرة ! *** و بينا يهيم الضّوء في سبحاته و قد وعظ هذا الكونفي سخرياته رأى شبحا في قرب نار كأنّما يودّع طيفا غاب عن نظراته يمدّ ذراعيه ، و يرسل صوته بلوعة قلب في نبراته إلى القمر السّاري محيّاه شاخص كصاحب نسك غارق في صلاته فحام عليه الضوء و استمهل الخطى و أجرى سناه الطّلق في قسماته و صاح به : يا شيخ ما أنت قائل تكلّم ! فإنّ اللّيل في أخرياته *** فقال له : يا باعث الحبّ و المنى سلمت و حيّتك العوالم و الدّنى شفيت جوى شبخ أحبّك يافعا و عاش بهذا الحبذ جذلان مؤمنا و أفنيت عمري أرتقي عالي الذّرى إلى أن بلغت اليوم مثواي ههنا و أوقد ناري كي تراني و أنثني لأطلق ألحاني ، و أدعوك موهنا و قيل ضنين لا يجود بوصله فهأنذا ألقاك يا ضوء محسنا تساوت كلاب تنبح البدر ساريا و نوّام ليل أنكروا آية السنا ! *** فحدّق فيه الضّوء و ارتد مغضبا و قال له : أفنيت في سخفك الصّبا و لمّا ترح جفنا من السّهد متعبا و سخرية بالنّار ، أن تتفرّبا كأنّ شعاعي في جفونك قد خبأ و من عبث مثواك في هذه الرّبى على حين لم تبلغ من النّور مرقبا و ما كنت إلا ّ الواهم المترقّبا وثالث عشّاق بهم ضقت مذهبا و كانوا لأمثال الخليذين مضربا فوا أسفا ، ما كنت في الدّهر مذنبا فأجزي بنجوى من تعشّق أو صبا و ساق على حبذي الدليل المكذّبا سل العاصي الهاوي من الخلد هل نبا به اللّيل لمّا آثر الأرض و اجتبى؟ أ أبصر قلبي الدّجنّة كوكبا أضاء له الدّرب السّحيق المشعّبا و هل في سنا غيري تملّي و شبّبا بحواء و اهتاج اليراع المثقّبا حويتهما روحا طريدا معذّبا فذاب حيائي منهما ، و تصبّبا و أورثني هذا الشّحوب ، و أعقبا رأيت فمّا يدنو ، و وجها تخضّبا و صدرا خفوقا فوق صدر توثّبا غرائز فيها الغيّ و النقص ركّبا تلمّس في ضوئي الأثام المحبّبا فيا شيخ دع هذا الوشاح المذهّبا تر الحمأ المسنون في الكأس ذوّبا طفا الرّاح فيه ، و التراب ترسّبا و إنّ كلاب الأرض أشرف مأربا ينير لها ضوئي الظّلام لتجنبا خطى اللصّ يستار الطّريق المحجّبا فإن نبحت ضوئي ، تسمّعت معجبا بأرخم لحن ، رنّ في اللّيل مطربا تحيّة مثن بي أهلّ مرحّبا بني آدم ، إن لم يكن آدم الأبا رجوت لكم من عالم الرّجس مهربا و آثرتكم بالكلب جدّا مهذّبا و أجمل بالإنسان أن يتكلّبا و مال عن الأرض الشّعاع و غرّبا و وسوس فس صدر الدّجى فتألّبا ***


الكاتب: علي محمود طه
0المفضلة
11608 المشاهدات
0 تعليقات