رسالة النبيّ في حاشية البحر
Dec 9, 2020 12:39 PM Dec 9, 2020 12:39 PM
-1- إنَّها تمطر الآن ، تمطر ، تمطر ... والعاديات يمشّطن تلا من الزعتر ، العاديات يجرَّدن برقوق نيسان من زهره ، كان يمشي إلى السوق والبحر ، كانت خطاه المدعى والصدى كان يحكي ويحكي مع الصمت ، كان ينزُّ على شرفة الموت ، كان يلوَّح بالأحمر الفاقع ، الأصفر الجازع ، الأبيض الساطع ، الأسود الفاجع الليل والأشرعة (يخرج البحر من ثوبه الأزرق هائجا : كيف نلتقي!) -2- لا يجيب النبيُّ المحاصر بالموج ، لكن ينادي ، اخرجي يا عصافير جرحي ، اخرجي يا دمائي ، اخرجي يا سنين التشرُّد والفاقة ، اليوم يومي ، وقاتلتي مخلب شاهر سمَّه ، واخرجي من مسام المعمَّد بالنار والانتظار ، اخرجي من حدودي الجديدة ، من خيمة الانكسار ، اخرجي نرجسا ، زعترا اخرجي مهرة اللّه راكضة ، من جحيم المهازل والأقنعة (يخرج البحر من ثوبه جلجلة وذهول هائجا : سيّدي ما تقول) -3- والنبيُّ الطريد يواصل تغريبة اللّه في الأرض ، تغريبة الأمهات المحاطات بالكره والبغض ، ينثر أحزانه في البلاد زهورا ، يمدّ جسورا ، ويدعو إلى الماء والماء يدعو إلى الوقت والموت ، يدعو إلى البيت ، يدعو إلى جبل نافر، ويشدُّ الحزام ... يواصل تغريبة اللّه ، شارة بدء إلى الزوبعه (يخرج البحر من ثوبه والسؤال صارخ في دمي : تعال) -4- يعقد الموج مؤتمرا داميا ، حيث يدعو إلى السنابل والعشب والقبّرات ، لبحث مصير النبيَّ الطريد ، فتحتجُّ أشجاره الداميات ، وتكتب برقية للغيوم ، مطعَّمة بالهموم اهطلي واغسلي كلَّ هذي البقاع ، ولا تتركينا لريح الوداع ولا ترحلي ، قبل أن تشعلي ، النار في القوقعة . (يخرج البحر من ثوبه ويجيء سائحا في دمي المضيء) -5- لم يعد مستطاع الخروج متاحا ، يشعُّ النبيُّ رؤى وجراحا عصافيره قيّدت . سمك البحر مرتعش لا يحوس ، يموَّج في القاع ، من ذا يجوس ، يجلّله الزعتر البلديًّ تجلَّله خرقة النار والطلقات ، يشقُّ إلى اللّه دربا يفيض المخيَّم ، من غيره البرق .. برق النبيَّ الطريد ، النبيَّ الوحيد ، النبيَّ المحاصر يجرع في أوج دعوته كأسه المترّعة (يخرج البحر من ثوبه عاتبا مرة هادئا ، مرة غاضبا) -6- لم يعد للغموض مذاق ، هي الشمس واضحة والصراط .. هو الأفق يمتدُّ من جرحه ، القمح من صبحه ، والعياط، يعرّش فوق جفون الصغار ، يرشُّ المدى بالغبار ، يضجُّ المسا بالوضوح فيحتجُّ ، ترتجُّ من تحته الأرض ، من في حناياه ضلع ، وتأتي النباتات تأتي الزواحف والبحر يقبل عبر فضاء النبيَّ المحاصر في الصومعة . (يخرج الآن ، تخرج أسماكه العارية خلفه تتجوَّل في نزهة دامية) -7- هكذا ابتدأ الاشتعال الخرافيُّ ، زلزلت الأرض زلزالها يسأل البحر مالها المدى لاسع الردى جامع فجأة يطلق البحر بركانه الهادر العاصف ? الآن يشهد أسماكه .. الذعر يسكنها .. وهي ترسل أنفاسها في اللهيب الترابيَّ ، يكتمل الحفل في حدقة البحر حفل الجنازة والموقعة . (صارخا ، صارخا ، ويموج الخروج ، الخروج ، الخروج) -8- زعتر ودم باقة للعشاء الأخير ، البنفسج في عروة البحر نافذة للزفاف الدراميَّ ، واشتعل القلب شيّبا ، وعزَّ التواصل ، إنّ الطبيعة تهمد تحت قباب الحداد ، تسجّل صرخة أبنائها في جهاز الضلوع ، وشهقة أسماكها في الهجير السعيريَّ ، ينثال مدّ الغناء الجماعيّ ، حزن النبيَّ ، الصبايا المضيئات ، والأمهات ، وحزن المخيَّم والسروة الدامعة . (هاهنا هاهنا ابتدأ المهرجان النبيُّ الطريد وحاشية البحر يلتقيان ) -9- اسمعي يا جراحي وعي من قديم لدغنا ، لدغنا ، لدغنا ، ومثَّل كلُّ الغزاة ، وكلُّ الطغاة بنا ، لا تقولي ? فتغضب فيَّ الدما ? لم تكن مؤمنا كنت أومن أنك شمسي وأنك يومي وأمسي ، وأنَّ صباحي الذي سوف يشرق منك سيأتي ، اسمعي يا جراحي وعي ليس مؤتمرا أو بيانا ، وليس خطاب النهاية .. بعض الضلوع ، وبعض السواعد تعزف ، ثمّة وقت لنا فاسمعي يا جراحي وعي قبل أن ينصبوا في الفضاء الصليب ، وتعلن كلُّ الاذاعات عن مصرعي اسمعي اسمعي اسمعي قالت الريح لي والشجر لن يجيء المخلَّص إن لم تكن وحدك السيَّد المنتظر وحدك السيف غائصا في حنايا النهر وحدك النخل ، والأغنيات الثمر .


الكاتب: محمد القيسي
0المفضلة
8248 المشاهدات
0 تعليقات