• لا تسألي

    لا تسألي يا أخت أين مجالي ؟ أنا في التراب و في السماء خيالي لا تسأليني أين أغلالي سلي صمتي و إطراقي عن الأغلال ؟ أشواق روحي في السماء و إنّما قدماي في الأصفاد و الأوحال و توهمي في كلّ أفق سلبح و أنا هنا في الصمت كالتمثال أشكو جراحاتي إلى ظلّي كما يشكو الحزين إلى الخلّي السّالي *** و اللّيل من حولي يضجّ و ينطوي في صمته كالظالم المتعالي يسري و في طفراته ووقاره كسل الشيوخ و خفّة الأطفال و تخاله ينساق و هو مقيّد فتحسّه في الدرب كالزلزال و أنا هنا أصغي و أسمع من هنا خفقات أشباح من الأهوال ورؤى كألسنة الأفاعي حوّما ومخاوفا كعداوة الأنذال و أحسّ قدّامي ضجيج مراقد و تثائب الآباد و الآزال و تنهّدا قاقا كأنّ وراءه صخب الحياة و ضجّة الأجيال و الطيف يصغي للفراغ كأنّه لصّ يصيخ إلى المكان الخالي و كأنّه " الأعشى " يناجي " ميّة " و يلملم الذكرى من الأطلال و الشهب أغنية يرقرقها الدجى في أفقه كالجدول السلسال و الوهم يحدو الذكريات كمدلج يحدو القوافل في بساط رمال و الرعب يهوي مثلما تهوي على ساح القتال جماجم الأبطال *** و هنا ترقبت انهياري مثلما يترقّب الهدم الجدار البالي و سألت جرحي هل ينام ضجيجه ؟ و أمرّ من ردّ الجواب سؤالي ! و أشدّ مما خفت منه تخوّفي و أشقّ من وعر الطريق كلالي ! و أخسّ من ضعفي غروري بالمنى و اليأس يضحك كالعجوز حيالي ! و أمضّ من يأسي شعوري أنّني حيّ الشهيّة ؛ ميّت الآمال أسري كقافلة الظنون و أجتدي شبح الظلام و أهتدي بضلالي و أسير في الدرب الملفّح بالدجى و كأنّني أجتاز ساح قتال و أتيه و الحمّى تولول في دمي و ترتّل الرعشات في أوصالي *** لا تسأليني عن مجالي : في الثرى جسدي وروحي في الفضاء العالي و سألتها : ما الأرض ؟ قالت إنّها فلوات أوحاش وروض صلال إن كنت محتالا قطفت ثمارها أولا : فانّك فرصة المحتال و أنا هنا أشقى و أجهل شقوتي و أبيع في سوق الفجور جمالي *** و العمر مشكلة و نحن نزيدها بالحلّ إشكالا إلى إشكال لا حرّ في الدنيا فذو السلطان في دنياه عبد المجد و الأشغال و الكادح المحروم عبد حنينه فيها : وربّ المال عبد المال و الفارغ المكسال عبد فراغه و السفر عبد الحلّ و الترحال و اللّصّ عبد اللّيل و الدجّال في دنياه عبد نفاقه الدجّال لا حرّ في الدنيا و لا حريّة إنّ التحرّر خدعة الأقوال الناس في الدنيا عبيد حياتهم أبدا عبيد الموت و الآجال *** و سألتها ما الموت ؟ قالت : إنّه شطّ الخضمّ الهائج الصوّال و سكونه الحاني مصير مصائر و هدوؤه دعة و عمق جلال مالي أحاذره و أخشى قوله و أنا أجرّ وراءه أذيالي ؟ ! أنساق في عمري إليه مثلما تنساق أيّامي إلى الآصال *** و سألتها : فرنت و قالت : لا تسل ، دعني عن المفصول و المفضال ! أسكت ! فليس الموت سوقا عنده عمر بلا ثمن ، و عمر غالي !!

    الكاتب: عبدالله البردوني

    0المفضلة

    41703 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالله البردوني

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • لا تسألي