بين ليل و فجر
Jan 21, 2026 01:50 PM Jan 21, 2026 01:50 PM
في هجعة اللّيل المخيف الشاتي و الجو يحلم بالصباح الآتي و الريح كالمحموم تهذي و الدجى في الأفق أشباح من الإنصات و الشهب أحلام معلّقة على أهداب تمثال من الظلمات و الطيف يخبط في السكينة مثلما تتخبّط الأوهام في الشبهات والظلمة الخرسا تلعثم بالرؤى كتلعثم المخنوق بالكلمات *** في ذلك اللّيل المخيف مضى فتى قلق الثياب مروّع الخطوات يمشي و ينظر خلفه و أمامه نظر الجبان إلى المغير العاتي و يرى الحتوف إذا تلفّت أو رنا و يحسّ أصداء بلا أصوات و يعود يسأل نفسه ما خيفتي ؟ ماذا أحسّ ؟ و أين أين ثباتي ؟ ماذا يخوّفني أنا رجل السرى ؟ و أنا رفيق اللّيل و الفلوات هل ليلتي غير اللّيالي ؟ أم أنا غيري ? أكاد الآن أنكر ذاتي أين الصباح و أين منّي قريتي ؟ و الرعب قدّماي و في لفتاتي *** و هنا تراءت للمروّع عصبة كالذعر شيطانيّة اللّمحات شعث كأهل إلاّ أنّ في نظراتهم همجيّة الشهوات و تقلّبت مقل العصابة في الفتى و كأنّها تشويه بالنظرات و تخيّلت " كيس النقود " فأبرقت رغباتها في الأعين الشرهات و تململت فيها الشراسة مثلما يتململ الزلزال في الهضاب و التاع فيها الشرّ فاهالت على ذاك الفتى بالضرب و الطّعنات فاستلّ خنجره و كسّر وحده و حشيّة الوثبات بالوثبات و تلفّتت تلك العصابة حولها فرأت بعين الوهم ظلّ سراه *** و هناك لاذت بالفرار و أدبرت ملعونه الروحات و الغدوات و عدت يصادم بعضها بعضا كما تتصادم الآلات بالآلات و جثا الفتى بين الجراح كمدنف يستنجد العوّاد بالزفرات و تلكأت عند التوجّع روحه بين الممات و بين نصف حياة وامتدّ في حضن الطريق وداؤه حيّ وصفرته من الأموات و تداعت الأوجاع فيه و التظت فيه الجراح الحمر كالجمرات و إذا تهيّأ للنهوض تثاءبت فيه الجراح تثاؤب الحيّات و على يمين الدرب كوخ تلتقي في صدره النكبات بالنكبات بين القصور و بينه ميل و ما أدنى المكان و أبعد الرحمات ! يشكو إلى جيرانه فيصمّهم عنه ضجيج القصف و اللّذّات كوخ إذا خطرت به ريح الدجى أومى إلى السكان بالرعشات " سنوات يوسف " عمره وجداره أبدا تنوء بأعجف السنوات فيه العجوز و بنتها و غلامها يتذكّرون موارد الأقوات فالحقل جدب ظاميء و سماؤه صحو تلوح كصفحة المرآة و الأغنياء ، و هل ترقّ قلوبهم ؟ لا ، إنّها أقسى من الصخرات و تغلغلوا في الصمت فانتبهوا على شبح ينادي الصمت بالأنّات فإذا فتى قلق الملامح يختفي تحت الجراح الحمر و الخفقات فمشى ثلاثتهم إليه وانثنوا بالضّيف بين الدمع و الآهات وروى لهم خبر العصابة أنّها سدّت عليه الدرب بالهجمات و تهيّجت فيه الجراح فصدّها و تستّرت باللّيل كالحشرات فدنت فتاة الكوخ تمسح وجهه و تبلسم الأجراح بالدعوات و تبلّ من دمه يديها إنّها تشمّ فيه أعبق النفحات و ترى به ما ليس تدري هل ترة سرّ القضا ؟ أم آية الآيات فإذا الجراح تنام فيه و يشتفي و يردّ عمرا كان وشك فوات وإزاءه ابنت الجميلة كلّها روح سماويّ و طهر صلاة يتجاوب الإغراء في كلماتها كتجاوب الأوتار بالنغمات أغفى الجريح على السكون و أغمضت أجفان من حوليه كفّ سبات و الكوخ في حرق الأسى مترقّب بشرى ترفّ عليه كالزهرات *** و اللّيل تمثال سجين يرتجي فكّ القيود على يد النحّات فبدا احمرار في الظلام كأنّه لعنات حقد في وجوه طغاة و تسلّل السحر البليل على الربى كالحلم بين الصحو و الغفوات يندى و ينثر في البقاع أريجه و يرشّ درب الفجر بالنّسمات وصيت على الجبل الشموخ أشعّة مسحورة كطفولة القبلات فكأنّما الجبل المعمّم بالسنى ملك يهزّ الفجر كالرايات رفع الجبين إلى العلا فتقبّلت في رأسه الأضواء كالموجات و تسلّق الأفق البعيد شموخه فترى عمامته من الهالات و تلألأت فوق السفوح مباسم ورديّة الأنفاس و البسمات وانصبّ تيّار الشروق كأنّه شعل النبوّة في أكفّ هداه و غزا الدروب فأجفلت قطّاعها ووجوههم تحمرّ بالصفعات و تصايحت تلك العصابة ما أرى ؟ هذي الجهات المشرقات عداتي أين المفرّ ؟ و أين أطلب مهربا ؟ و النور يسطع من جميع جهاتي كيف القرار ؟ و ليس لي كهف و لا درب فيا لي ! ! يا لسوء مماتي ! و أفاق أهل الكوخ حين ثقوبه تومي إلى الأبصار بالومضات فدنا ثلاثتهم يرون جريحهم فإذا الفتى في سكرة الفرحات نفض النعاس وشدّ فيه جراحه و استقبل الدنيا بعزم أباه ورمى إلى كفّ الغلام و أمّه بعض النقود و دعوة البركات و صبا إلى كفّ الفتاة و قال : يا " نجوى " خذي نخب الزفاف و هاتي و طوى الجراح وهبّ يقتاد السنى و يبشر الأكواخ بالخيرات و يقود تاريخا و ينبت خطوة فجرا ينير مسالك القادات *** فضح الصباح المجرمين فأصبحوا أخبار جرم في فم اللّعنات و تعالت الأكواخ تنظر أهلها يضعون " غار النصر " في الهامات " لمس الربيع قلوبهم و حقولهم فاخضوضرت بالبشر و الثمرات و الجوّ يلقي النور في الدنيا : كما تلقي السيول مناكب الربوات و الزهر في وهن الشباب مفتّح فوق الغصون كأعين الفتيات و الأفق يورق بالأشعّة و الندى و الأرض تمرح في حليّ نبات *** و هنا انتهى دور الجرائم و ابتدى دور وريف الظلّ كالجنّات فتجمّع الإخوان بعد تفرّق وانضمّ شمل الأهل بعد شتات صرعت أباطيل الدجنّة يقظة أقوى من الإرهاب و القوّات و الدجل يذهب كالجفاء و لم تدم إلاّ الحقيقة فوق كلّ عتاة *** إنّ الحياة مآتم تفضي إلى عرس و أفراح إلى حسرات لكنّها بخريفها و شتائها و بصيفها .. حكم ودرس عظات فاختر لسير العمر أيّة غاية إنّ الحقيقة غاية الغايات .


الكاتب: عبدالله البردوني
0المفضلة
29382 المشاهدات
0 تعليقات