يا جارتي
Dec 9, 2020 12:40 PM Dec 9, 2020 12:40 PM
قالت لجارتها يوما تسائلها عنّي ، و في طرفها الوسنان أشجان ما بال الفتى في الدّار معتزلا كما توحّد نسّاك و رهبان يأتي المساء عليه و هو مكتئب و يرجع اللّيل عنه و هو حيران يمرّ بالقرب منّا لا يكلّمنا و للحديث مجال ، و هو ملسان و إن نكلّمه لا يفقه مقالتنا إلاّ كما يفقه التّسبيح سكران إذا تبسّم ، لا تبدو نواجده و إن بكى ، فله نزع و إرنان كأنّما كلّ عضو فيه بركان فلا ابتسام ذوات الغنج يطربه و لا ابنه الحان تصيبه و لا الحان أماله أمل حلو يلذّ به كما تلذّ بمرأى النّور أجفان أماله جيرة في الأرض يألفهم يا جارتي ، كان لي أهل و جيران فنبّت الحرب ما بيني و بينهم كما تقطّع أمراس و خيطان فاليوم كلّ الذي في مهجتي ألم و كلّ ما حولهم بؤس و أحزان و كان لي أمل إذا كان لي وطن فيه لنفسي لبانات و خلّان فجرّدته اللّيالي من محاسنه كما يعرّى من الأشجار بستان فلا المغاني التي أشتاق رؤيتها تلك المغاني ، و لا السّكان سكّان لو المروءة تدري أيّ فاجعة بالشام ، ناح عليها الإنس و الجان و لو يبثّ بنو لوعتهم لاهتزّت الأرض لمّا اهتزّ لبنان قالت : شكوت الذي بالخلق كلّهم و ما كذبتك إنّ الحرب طوفان تساوت الناس في البلوى ، فقلت لها هيهات ، ما هان قوم مثلما هانوا أمن يموت و لا ستر يظلّله كمن عليه أكاليل و تيجان ؟ قالت ، و يا ويح نفسي من مقالتها كفكف دموعك ، بعض الحزن أهوان لو كان قومك أهلا للحياة لما ماتوا و في أرضهم ترك و ألمان و كلّ من لا يرى في الذّلّ منقصة لا يستحقّ بأن يبكيه إنسان كفّي ملامك يا حسناء و اتّئدي فإنّ مدح ذوي العدوان عدوان و أنت من أمّة تأبى خلائقها أن يقتل الطّير في الأقفاص سجّان و إنّ قومي طيور غير كاسرة سطت عليها شواهين و عقبان لا تحسبي أنّني أبكي لمصرعهم فكلّنا للرّدى شيب و شبّان لكن بكيت من الباغي يعذّبهم و هم شيوخ و أطفال و نسوان ورحت أشكو إليها و هي ساهية لكنّما قلبها الخفّاق يقظان حتّى انتهيت فصاحت و هي مجهشة يا ليت ما قلته زور و بهتان بل ليتني لم أسائل عنه جارتنا بل ليت قلبي إذ ساءلت صوّان ياليت شعري و هذي الحرب قائمة هل تنجلي و لنا في الشّام إخوان ؟ و هل تعود إلى لبنان بهجته و هل أعود و في لبنان نيسان ؟ فأسمع الطير تشدو في خمائله و أبصر الحقل فيه الشّيخ و البان ؟ بني بلادي ، و لا أدعو بخيلكم غير البخيل له قلب ووجدان بني بلادي ، و لا أدعو جبانكم ما للجبان و لا لي فيه إيمان بني بلادي ، و كم أدعو ...! أليس لكم كسائر الخلق أكباد و آذان ؟ لا تضحكوا و بأرض الشّام نائحة و لا تناموا و في لبنان سهران !


الكاتب: إيليا أبو ماضي
0المفضلة
35381 المشاهدات
0 تعليقات