• نهر العذارى

    يا نهر لولا منحناك و ما يشابك من فروع لاقتافت البسمات في عيني تطفأ بالدموع ** حجبت بالشأو البعيد تسد بابيه الظلال وجهاً تلاقي في محياه الوداعة و الجمال مرآتك السجواء منذ جلوتها تحت السماء ما لاح فيها مثل ذاك الوجه في ذاك الصفاء ** إن أوقد الليل العميق نجومه في جانبيك لّماحة الأضواء تغمر بالأشعة ضفتيك ** حدّثت عنه النجم ، والآهات يقطعن الخرير والنجم يشكو ، مثلما تشكو هواك إلى الأثير ناشدت ألحاظ الكواكب و هي تخترق الظلام ألا ينمن و إن تشهّين الكرى حتى تنام: ** أنتن أسعد ما أظل الكون يا زهر النجوم أنتن أبصرتنّ ذاك الوجه في الليل البهيم! ** حتى إذا ما رنح النجم الأخير سنا الصباح فانقضّ تحت القبة الزرقاء محترق الجناح ** وانساب غي الوادي شتات الزارعين أو الرعاة فالجو تنبض في نسائمه الندية ألف آه أصبحت فوق المعبر المهجور أرقب منحناك فأبوح بالشكوى و تسكت عن شكاتي ضفتاك ** يانهر جيكور الجميل ، ومنتهى شكواك نور لا الشمس مطفئة جواي ، ولا الكواكب والبدور ** لا الصبح يوهن لاعجات الليل والوجد المثار في مقلتي ، ولايهيض الليل أحقاد النهار ** الفتنة السمراء تسرقها مياهك بعد حين: الشعر و العينين و الثغر المفلج و الجبين ** فإذا الهجيرة أطلقتها زرقة الأفق البعيد فالظلّ مقصوص الجناح يفرّ من عود لعود ** والجوسق المستوحد ، المهجور ، في غاب النخيل تأوي إليه الغادة السمراء لاهبة الغليل ** والدوحة اللفاء تحتبس البرودة في الظلال مهد لأطفال الحقول ، وملعب رحب المجال ** سارت إليك بطيئة الخطوات ذابلة الشّفاة جاءتك ظمأى بالبنان الرخص تغترف المياه ** كم عدت مخمور الفؤاد بموعد المدّ القريب جذلان أقتحم الظهيرة بالتطلع و الوثوب ** التوت فوق الشاطئ الغربي و السّعف الصموت لا يجهلان تنهّداتي و هي بينهما تموت ** و الغاب ساعتي الحبيبة من ظلال عقرباها كم أنبآني أن طرفي بعد حين قد يراها ** و اليوم يسقي مدّك العاني أواخر كل جزر لا ذاك يجلوها و لا هذا بما أرجوه يجري * * و اليوم إن سكر الخرير و عاد يحتضن الجرارا ! لم ألق عذرائي فكيف الصّبر يا نهر العذارى ؟!

    الكاتب: بدر شاكر السياب

    0المفضلة

    35707 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من بدر شاكر السياب

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • نهر العذارى