بين يديك أيُّها العالم
Dec 9, 2020 12:42 PM Dec 9, 2020 12:42 PM
فلتأتِ إليَّ الآن فلتأتِ إليَّ الآن الباب مفتوح و النافذة مفتوحة و كل ما هو لي و كل ما هو ليس لي و كل ما رأيته و عشته و انتظرته ينتظرك الآن: المائدة و السرير و الضوء و رائحة جسدي العشب و الأسماك و الأزهار و قلبي كل شيء ينتظرك كل شيء ينتظرك فلتأتِ إليَّ الآن إنَّ الزمن لا يتغيَّر أبدًا إنَّ الزمن لم يتغيَّر قط فالصيف كالخريف و السبت يشبه الأحد و الأربعاء أمَّا الذي تغيَّر دونما انقطاع فهو نحن نحن الذين نذهب إلى الحروب و المصانع و المراعي و نبتكر كل ما له علاقة بنا: الرصاص و الخبز السجون و الحريَّة السجائر و أقلام الرصاص السكاكين و الورق و الأغاني الألعاب و القيود و المبيدات الحشريَّة إنَّنا نفعل كلّ ما نستطيع بين يديك أيُّها العالم .. بين يديك أيُّها العالم دمي يسيل الآن يسيل و أراه يسيل و يتبعثر و يتشابك و يفترق ينحني و ينكسر و يميل يسارًا و يمينًا إنَّهُ دمي أيُّها العالم دمي الصامت الثرثار الذي يرسم بنفسه صورتي الشخصيَّة و وجه من أحبُّ و أكره .. بين يديك أيُّها العالم متدفِّق و منطوٍ بعيد و قريب أتنقَّل من شارع إلى جدار و من صديق إلى قاتل و من أغنية إلى غبار أتنقَّل و أتنقَّل حاملاً خضاري و قمحي و كراريسي بنادقي و زهوري و فراغي دونما راحة و دونما تعب ذلك أنَّني أعيش لأتساءل أو أتساءل لأعيش: ما الذي فعلت بنفسك يا هاملت؟ و ما الذي تنتظرينه يا بنلوب؟ و ماذا أعطت لك الحياة يا سقراط؟ و لم تثير رعبنا يا هيتشكوك؟ و أنتَ يا أبي... أيُّها السكِّير، المريض، المقامر أيُّها الحالم، الطيِّب، المسكين أما زلت تتناول عشاءك المعتاد بيضتين مسلوقتين قليلاً من الزبدة نصف رغيف و همومًا كاملة و أنتِ يا أمِّي... أيَّتها الشجرة التي لم تثمر غيري أما زلتِ تنامين باكرًا عاريةً إلاَّ من أوراقك الخضراء الخضراء دائمًا بين يدي العالم؟. .. بين يديك أيُّها العالم: النافذة مشرعة و أنا وحيد (من يأتي إلى من) الأضواء ساطعة و أنا معتم (من يضيئني من) السفر... السفر... السفر... هو ما أريد الحريَّة... الحريَّة... الحريَّة هي ما أطلب أن أضمَّ المرأة و أسحب القمر من أنفه إلى غرفتي أن أرقص و أرقص و أرقص حتَّى تتعب الموسيقى أن أحملك أيُّها العالم أهدهدك كطفل و أزعل منك إذا أخطأت في الحساب أن آكل و أعمل و أشرب و أتنفَّس كما يفعل المبدع الصغير الكبير الذي يزرع القمح بين الصخرة و الصخرة و يترك للطفل حريَّة الحركة و البكاء المبدع الصغير الكبير الذي يشبك يديه خلف ظهره في العطلات الأسبوعيَّة سعيدًا ببطاله النظيف و ذقنه الحليقة إبنك أيُّها العالم إبنك الطويل، القصير، البدين، النحيل، الذكر، الأنثى، العاجز، العطشان، الخائف، المضيء، المتردِّد، المباشر، الصادق، البسيط، المغامر، المجنون... إبنك الذي من سهول و ماعز و مطر كثيف الضائع بين سبارتاكوس و نيرون بين يسوع و يهوذا الذي جرَّبَ كل شيء و لم يتوصَّل إلى شيء لأنَّهُ... لأنَّهُ ما زال بين يديك أيُّها العالم. .. ... و أنا أنتظرك الآن حزينًا كرسالة لم تصل و وحيدًا كفزَّاعة عصافير أنتظرك و أعرف أنَّك معي رجلاً و امرأة و طفلاً طيرًا و موسيقى و غابة و طريقًا طويلاً... و سواء كنت في العمل أو البيت أو الشارع أراك و أعرفك أفتقدك و أسأل عنك و أينما ذهبت سأتبعك و كُلَّما التقيتك سأهرب منك لكنَّني دائمًا... دائمًا أفتح لك الباب و قلبي و أقول تعال قبّلني قبّلني قبّلني قبّلني قبّلني قبّلني هذه أصابعي و هاتان عيناي هذه أظافري و أنيابي و هذا هو جسدي دافئًا و بردان و محمومًا و هذه هي نفسي فارغة إلاَّ من الصخور و الرمال و ممتلئة بكل شيء و كل شيء لا يستطيع احتواءها حتَّى أنت... حتَّى أنت أيُّها العالم. .. بين يديك أيُّها العالم أعدُّ حروبي و هزائمي و انتصاراتي و أسجِّلُ أسماء الجلاَّدين و الضحايا أسماء العشاق و الفاشلين و المغامرين و المضطهَدين و لا أنسى إسمي إسمي الوحيد، المتكرِّر، المتفرِّد الذي يعرفه الجميع و لا يعرفه أحد محمود أو الياس أو مريم رياض أو سوزان أو عادل... ما الذي يهمّني من ذلك؟ فالجميع يحبُّون و يكرهون و يزورون المقابر (على الأقلّ مرَّة واحدة بعد عمر مديد) و الجميع عندما ينامون ينامون بطريقة واحدة و مختلفة و لذلك لا نختلف في شيء سوى أن بعضنا ينام بعين مفتوحة و بعضنا لا ينام أبدًا و بعضنا ينام دائمًا: في قبر، أو حانة، أو وظيفة في صحيفة، أو كتاب، أو متحف و الجميع الجميع يملكون الأيدي و الرقاب و الصدور و الذكريات غير أنَّ بعضهم لا يملكون القلب و بعضهم قلوبهم سوداء و بعضهم رموا قلوبهم في البالوعات و استراحوا استراحوا بين يديك أيُّها العالم .. بين يديك أيُّها العالم أدور و أدور و أدور كدواليب الحظ ثمَّ أتوقَّف على رقم لا علاقة لي به و سواء كنت ورقة يانصيب خاسرة أو رابحة و سواء كنت رقمًا أحاديًّا أو مزدوجًا فالحصان الخاسر لن ينال الجائزة و الحصان الرابح لن يجني سوى القليل أو الكثير من التبن و الذرة أمَّا الرابح الوحيد فهو الذي يملك الحصان و يقوده و يوجِّهه الرابح الوحيد صاحب المهماز و السوط و القبضتين الفولاذيَّتين و أنا ملكك أيُّها العالم أنا جوادك الخاسر و نحن ملكك أيُّها العالم نحن جيادك الخاسرة ننطلق و ننطلق و ننطلق و أخيرًا إلى الاسطبلات نعود. .. بين يديك أيُّها العالم المدراس القتل الأصدقاء النميمة الثقافة الكذب التاريخ التكرار و الدولة هي الدولة بين يديك أيُّها العالم نحن لسنا سعداء بين يديك أيُّها العالم نحن لسنا تعساء نحن لا شيء البتَّة هذا ما يقوله النسيم و هذا ما تقوله أمريكا بين يديك أيُّها العالم نردِّد الكلمات الحريَّة... الحريَّة... الحريَّة الخبز... الخبز... الخبز الحب... الحب... الحب إنَّنا نردِّد الكلمات منذ توت عنج آمون و حتَّى آخر جثَّة في بيروت الشرقيَّة الخبز أيَّتُها الأمم المتَّحدة و المتفرِّقة الحب أيُّها الله الحريَّة أيَّتُها الأصفاد و الأسلاك الشائكة و الحياة... الحياة بين يديك أيُّها العالم __________ شباط ? 1980


الكاتب: رياض الصالح الحسين
0المفضلة
15750 المشاهدات
0 تعليقات