قليلاً فوق صوتِ الدانوبِ
Dec 9, 2020 12:43 PM Dec 9, 2020 12:43 PM
صنعَ لنفسِه مِعطفًا من قطيفةٍ بيضاءْ، ثم راحَ يفتِّشُ في الصندوقِ القديم عن أزرارٍ تناسبُ فتىً ينسَّلُ إلى الكتابِ في فصلِه الأخيرِ قبلَ صفقِ الغلافِ مباشرةً . ... يحسبُ بعينيهِ : ثلاث يارداتٍ تقريبًا، كي يمكنَهُ القفزُ فوق السورِ ثم يمشي متكاسلاً حتى المقعدِ الخشبيّ في أقصى الغابة الساكتة . يعلو صفيرُه بالدانوبِ الأزرقِ مغمضَ العينينِ بينما قدمُه توقِّعُ الإيقاعَ . ... لا تزعجوه بالسؤالْ عن حبيبتِه التي ماتتْ في حادثِ سيارةْ، كانت بنتًا لا تسمعُ الكلامْ ! سيرفضُ الإدلاءَ بملامحِها، لأنه انشغلَ بعشقِ المساحةِ الواسعةِ بين عظمتيّ ظهرِها . ... مساحةٌ كان كلما خاصرها يرسمُ فوقها بأناملِه كروكيًا لثلاثةِ عشاقٍ يبحثون عن حكاية، وفي الهامشِ بخطًّ صغير : " إحالةُ المعقداتِ إلى أمورٍ بسيطةْ، ثم المعاظلةُ في البديهياتْ ." و بعدما ينتهي سيعاتبُ أمَّها - التي يتصادفُ دخولُها بكوبيّ ليمون _ لأنها لقَّنتْها أن الكلامَ والصمت هما الوظيفتانِ الوحيدتان لشفتيها. ... لا جدوى من تكرارِ المحاولةِ إذن لأنها لم تتذكرْه في الوصية . ... وصيتُها الأخيرة التي وزعت فيها تفاصيلَها المعطّلةَ على أحبائِها لكنها استدركت الأمرَ في آخرِ الورقةِ وهبتْه أصيص نبتةِ الظلِّ، التي ضبطته يومًا يتسللُ من باب المطبخِ فأخرجتْ له لسانَها .


الكاتب: فاطمة ناعوت
0المفضلة
3623 المشاهدات
0 تعليقات