نصفُ نُوتة
Dec 9, 2020 12:43 PM Dec 9, 2020 12:43 PM
رتَّبا المساءَ على النحو الذي يليقُ بشاعريْن. ... يمكنُ لشاعرٍ أن يشقَّ البحرَ بخنصرِه يروِّضَ المعاركَ، يلهو بقطعِ الكونِ فوق طاولتِه ، ثم يُخرجَ من جيبِ سترتِه حفنة شهبٍ ينظِمُها عُقدًا لامرأتِه. وحدَه الشاعرُ من أقنعَ التاريخَ بالتنحّي. ... رتَّبا المساءْ ، بعدما أغلقا النافذةَ على الصواريخِ ذاتِ الرؤوسِ، وأقدامِ المارينز تتقدّمُ صوبَ دجلةَ ، أغمضا عن عيونِ الثكلاواتِ لأن الخنساءَ لم تقرأْ "سوزان برنار" ، ولأن آذارَ وقتُ الحياةِ لا الموتْ. ... قالَ : نحنُ الشعراءَ لنا جبهةٌ أخرى : ساحةُ الورقِ و طلقاتُ المدادْ ، ... ثم إنَّا من نشجبُ القراراتِ وننددُ بخرقِ معاهدةِ جنيف ، عدا حدسَنا في استشعارِ الخطرْ حسبَ" عبد الصبور " حين قارنَ بين الفئرانِ وبيننا. ... ثم اعتدّل وقرأَ قصيدتَه. ... قالت : لأني أمتلكُ حدسَ الشعراءِ: فإن معركةَ التحريرِ النظيفةَ ستغدو احتلالاً بعد واحدٍ وعشرين يومًا، وبما أن عشراتِ الدواوين ستُكتبَ، أبادرُهم قائلةً: " للعرافةِ في آخرِ وادي النطرونْ رأيٌ آخرُ قالتْ : قولي لصديقكِ أن يأتي في الليلِ وحيدًا و اعطيهِ الورقةَ مطويةْ : إن أنتَ بليْلٍ أوغلتَ بموصلَ حتى النبعْ و زرفتَ الخبزَ الجافَ على الأطيارْ و مددتَ الحزنَ الكامنَ في الأعماقِ و في بابلَ لانشقَّ البحرُ عن الحوتِ و لجاءتْ مريمُ و الأحبارُ وجلجامش و لجاءَ الخضْرُ وعشتارْ و لزحفتْ مملكةُ النملِ بركبِ الملك سليمانْ إن أنتَ بليْلٍ أفرغتَ القلبَ من الأوجاعْ و نظرتَ هنالك صوبَ النهرِ الشاهدِ مذبحة الأمسْ و قبضتَ بقبضتِكَ المشروخةِ حفنةَ رملٍ ملتاعة فتعالَ و رفقتُكَ لأقرئُكم سِفرَ الأنباءِ أريكمْ أن الحزنَ سيكمنُ طولَ العمرِ بأجيالٍ غفلتْ عن طعنِ الظهرِ من الأعداء و راحتْ تبحثُ عن موتٍ لا يشبه موتَ الكهفيين بل موتُ الحرفِ على الشفتين أو موتُ القلمِ على الورقِ." ... فتعالَ وقُلْ: ... "إلى بغدادَ طريقٌ واحدٌ يَمرُّ من فوهةِ قلمْ !" ... أنهيا القصيدتين، افترشا أرضَ الردهةِ ببساطِ كرداسةَ ، غلَّفا الحيطانَ بالأفرخِ الزرقاءْ و إصداراتِ العامِ الجديدْ ، أحكما عوازلَ الصوتِ، و أعدّا المقاعدَ للأوركسترا . ... بائعُ القناديلِ وفيروزْ تورطّا في الأمرِ سريعًا ، فتحدثَ النِّفَّريُّ عن اتساعِ الرؤيةِ وضيقِ التنفسِ ، بينما استسلمَ ناجي للرَمَلِ و أطلالِ الموصِلِ وقَسوةِ الحبيبةِ وحزبِ البعثْ، و اعتذرَ " أبو نواس " عن المجيء. ... يتكلمونَ عن الاثنين وثلاثينَ إنذارًا وقرارِ نزعِ السلاحْ، والبنتِ التي دهستْها الشاحنةُ قبل يومين أمامَ مجلسِ الأمن. ... يتكلمونْ عن المرأةِ التي التقطتْ حبيبَها من جوارِ السفارةِ البريطانيةِ ، ليبتكرا مساءً يخصُّ الشعراءَ وحدهم . مساءً أجادَ صنعَه المدعوون المقاعدُ الخاليةُ، بياعُ القناديلِ وسجادُ كرداسةَ، و الألمْ . وحدَه " نصير شمّة " من أفسدَ الخُّطةَ، إذ اعترضَ على اختيارِ هذا المساءِ تحديدًا فحذفَ نصفَ النوتةِ ردًّا على قصفِ بغدادْ ! __________ مكانٌ آخر / 20 مارس 2003


الكاتب: فاطمة ناعوت
0المفضلة
3828 المشاهدات
0 تعليقات