• في الطريق إلى... الذاكرة

    ... زغاريدُ تعلو‏ حناجرُ تغزلُ معصيةَ الأغنياتِ‏ عن العشقِ، يأتي الصَّدى كائنا‏ يتجمَّع في شفتيه نداءُ النَّدى‏ هنا أقفُ الآن/‏ كيف أتابعُ هذا الدَّمار إلى آخرِهْ؟‏ وكيف أهّيءُ جِلْدَ المكانِ‏ لكيْ يتأهّب للعاصفةْ؟‏ أنا، منذ قَطْفِ ثمار الخليقةِ،‏ حتّى سقوطِ القنابلِ في عشبةٍ،‏ وأنا العاشقُ المتخمّرُ في كلّ جرَّةٍ عرسٍ‏ قرأتُ، وما زلتُ أقرأُ في لغةٍ لا تراها العيونُ‏ وأخفي وراءَ طلولي رمادَ الخلود/ خلودَ الرَّمادْ‏ وأهدمُ ماكنتُ أبني‏ على عتباتٍ تغيب بدمع البخورِ‏ أصلّي ليحفظ ربُّ الكوارثِ هذي البلادْ‏ بلادٌ رَمتْني على حائطٍ يتداعى‏ بلادٌ تسمَّى / وأخرى سرابْ‏ بلادٌ بخارٌ/ بلادٌ خرابْ...‏ على وترٍ سالَ خمرُ بكائي‏ فشُدّي عليه وشُدِّي عليَّ‏ لأفتحَ صدري تراثاً من الاختناقِ‏ يطيب له الرّقصُ في غبشِ الحلمِ...‏ حلمٌ قريبٌ/ بعيدُ‏ ويخرج شكلُكِ مبتهجاً بالعناقِ‏ غريبٌ/ جديدُ‏ وكنت تدلّيتُ شعباً‏ من القمحِ يخبز فيَّ رغيفاً من الشّبُهاتِ‏ ويمتصّني جسدُ امرأةٍ نذَرَتْ خصرَها‏ لهبوبِ الأناشيدِ من جبلِ الاحتراقِ‏ أأنتِ تعدينَ حزني‏ وتنتخبين بكفَّيكِ بُعْدَ سمائي؟‏ لكِ الأرضِ في قدميّ تذوبُ‏ لك الذَّوَبانُ الجحيميُّ في القلبِ ماءً من اللَّوزِ‏ حتّى تضائي بمائي‏ أأنتِ رخامٌ عليهِ تيمَّمتُ حين خسرتُ الينابيعِ‏ ثم وقفتُ وصلَّى الزّمان ورائي؟...‏ أصالحُ فيكِ خصومةَ قلبي مع الكونِ...‏ كيف تسيرُ إليكِ لغاتي؟‏ أتدخلُ من بابِ وردٍ‏ إذا قرعتْهُ يدي أشرَقَتْ قمراً من نباتِ؟‏ أتدخلُ، في قدميها تباشيرُ نهرٍ‏ ومدٌّ من الطّيبّاتِ؟‏ وللشّعرِ باصرتي، منذُ / جلجامش المتجمّعِ‏ في غابةِ الخوفِ يبحثُ عن عشبةٍ لخلودِ الحياةِ‏ وحتّى بكاء المغنّين في صدر قيثارةٍ‏ رفَعَتْ زرقةَ الشّرفاتِ‏ منازلُ تعلو، منازلُ عشقٍ، منازلُ برقٍ،‏ منازلُ شفّتْ نوافذُها‏ كاد يخرجُ من ياسمين السّطوح دمُ العطرِ‏ يسقي ظلامَ الجهاتِ‏ ومازالَ في بئر ذاكرتي.../‏ ... الصَّيفُ...‏ مذ كنتُ أحملُ مدرستي في صباح الحقيبةِ‏ أنثر قلبي‏ وأدهش بالصّبحِ يطلقُ عمَّاله وتلاميذَه‏ خلف جمعٍ من السّاحراتِ‏ وحيداً تغادرني زينةُ الفتياتِ‏ وحين تغيب وراء الزّحام ووهم اليقينِ‏ أفاجأُ بالياسمينِ‏ تدلَّى على حائطٍ يتدلَّى على جسدي‏ أتنفّسه بجميع حواسي: تشمُّ عيوني،‏ وأبصره بيديَّ، وأزرعُهُ في رئاتي...‏ ... ... ...‏ لذاكرتي الآن ينبوعها المتواصلُ/‏ هل أنتِ تلك الغزالةُ في طرقاتي إلى المدرَسَةْ؟‏ وهل أنت معجزة الياسمينِ‏ أم العمرُ شابَ وشابَتْ به معجزاتي؟‏ فها أنذا غرفةٌ عمّرتْها الرّياحُ‏ أنا كتبٌ في الصَّناديق نائمةٌ‏ لا يحلّ عليها صباحُ‏ أشاركُ طفلي بألعابه،‏ أختفي بين أثوابه،‏ ثم أصرخ بالموتِ:‏ / سامحتُكَ الآن يا والدي، كيفَ غادرتني/..‏ وأنا لم أقبّلْ جبينَكَ بعدُ؟‏ لتبقَ بعيداً،‏ فما أنتَ من يتراجعُ عن موته‏ حين أطفالُكَ الضَّائعون‏ تراجع فيهم كلامُ الحياةِ/‏ ... ... ...‏ هنا الذّاكرهْ‏ تهبّ من الموتِ أشباحُها‏ تلبسُ الجثث العاطفيّةُ ضوءَ القناديل‏ تهدمُ شاهدةً‏ وتهدّ السّياجَ الَّذي زنَّرَ المقبرهْ‏ وأخرجُ فيمن سينشُره الحبُّ تحت لواء الشُّموسِ‏ وكلٌّ يفتّشُ عن نفسهِ، وأنا عن نفوسي‏ أما قال جدّي امرؤُ القيسِ يوماً:‏ (( ولو أنَّها نفسٌ تموتُ جميعةً‏ ولكنَّها نفسٌ تَسَاقَطُ أنفُساً))؟...‏ ... ... ...‏ هنا الذّاكرهْ‏ تطيِّرُ في جسدي نحلَها فيئز الحنينُ لوجهٍ‏ من الشّرقِ يطلعُ، عيناهُ: كم قيلَ في‏ ((نخل حزنهما ساعةَ السّحَرِ))‏ وخدّاهُ: قطبان أَعْقِدُ بينهما قمري‏ أأنتِ الّتي أنتِ كنتِ‏ أيا امرأةُ شقَّتْ الصَّدرَ منّي وأخرجتِ القلبَ منه‏ لتطرد عنه جيوشَ الوساوسِ،‏ ثمّ تعيد له سيرة البشرِ....‏ _________ 20/أيار/1995‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4472 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • في الطريق إلى... الذاكرة