• تشكيلات في مديح ريحانة الأنس

    (1)‏ أنا لا أقرأ ما يكتبه الضَّوءُ، ولكن‏ ما يسمّيه الظَّلامْ‏ لا، ولا أدخلُ باباً مُشْرَعاً،‏ بل كنتُ أختارُ الّذي اسْتُغِلقَ‏ واستعصى على تأويلِ رُبّان المنامْ‏ لا أرى فيما أرى ظلاًّ لروح الكونِ،‏ أو ماءً من اللّوز المصفَّى‏ عالمٌ يمتدُّ في الشِّرحِ،‏ ولي آيةُ أنْ أقْرِنَ بالغامضِ واللاَّمنتهي‏ روحَ الكلامْ‏ أنا لا ألتحفُ المرأةَ إذْ تسكبُ من أكمامها‏ صبّار ألواحِ الوصايا‏ إنّني جمهورُ آثامٍ وميراثٌ من اللَّعْنات،‏ مطرودٌ من الضّوء إلى ظلِّ المرايا‏ لأرى روحي معرّاةً من الأسماءِ،‏ والذّاكرة الخضراء نسياناً،‏ أرى نبض دمي يصعدُ معراجَ الخطايا‏ خلف مهرٍ فوقه الأنثى الحرامْ.‏ (2)‏ أجد الأنثى كما كانت تكونْ:‏ فكرةً تنمو على الجدرانِ،‏ أو في شفَقِ يختزلُ الحزنَ،‏ وقد تمتدّ كالأعشابِ بين الحَجرِ المعزولِ،‏ أو تسقطُ في قلب كتابٍ لم تردّده شفاهْ‏ أجد الأنثى كما كانتْ...‏ إذا داعَبَها الشّعرُ أتتْ تسبقها الألغازُ‏ والموت المجازيُّ‏ وإيقاعٌ حجازيُّ الرَّحيلْ‏ هي:‏ نومٌ أخضرٌ في عتمة المنفى‏ وحلمٌ أزرقٌ صيفاً‏ رماديٌّ شتاءً‏ أسودٌ في آخر العمرِ‏ نبيذيٌّ إذا ما اشتعل القلبُ صقيعاً...‏ أجد الأنثى... رميتُ البحر في أعتابها‏ يغرق في أمواجها زورقُ وقتي‏ فأشدّ الرّيح نحوي‏ أحتمي بالأبيض الهائج في سرَّتها‏ باللّؤلؤ المكنونِ في صَدْفتها...‏ (3)‏ أجد الأنثى كما كانت تكونْ:‏ جرَّةُ الغيمِ على راحتها مالتْ إلى العشبِ‏ ونهداها اكتنازُ اللّحم بالعطرِ‏ وما بينهما أرضٌ جديدهْ‏ أحتفي فيها بصوتي خارجاً من قمقمٍ في البحر‏ تدعوني وتُهديني مفاتيحَ المغاراتِ البعيدَهْ‏ أجدُ الأنثى على أُهْبةِ عينيها‏ بعيدٌ في مراميها كلامي‏ وقريبٌ من شذاها نحلُ قلبي‏ تلك ظلٌّ لضلوعي‏ تلك ضلع من ظلالي‏ أجد الأنثى بأوتارِ دمي انشدَّتْ‏ وأدَّتْ فرضَها الخمريَّ‏ واصطادَتْ من المطلقِ أسرابَ اللآلي‏ ورمتني بجنودٍ من خيالِ...‏ (4)‏ أجد الأنثى كما كانت تكونْ:‏ فوق زنديها حريرُ الضَّوء ملقى‏ دَرَجُ الفضّة والعطرِ، طراواتٌ، نداواتٌ،‏ حماماتٌ مع الأبيض ترقى‏ في الظّهيرات الّتي تهبط من نار شفاهي‏ شهوتي أم وقفتي في بابها طالَتْ؟‏ أزالَتْ عن ثمار الجنسِ سور الجسدِ المُحْكَمِ‏ أمْ آدمُ من عنْقي تدلَّى‏ جائعاً يجتاحُ أطباق الإلهِ...‏ (5)‏ أجد الأنثى...‏ نزولُ القَلْب من سلَّمه اللّيليِّ نحو الفجرِ‏ ها قد طلعَ الفجرُ علينا من قرى هاجعةٍ‏ أو مدنٍ ترشقُ غيماً فوق إنشاد المآذنْ‏ فَلَقَ الكونُ ينابيعَ من النّورِ أراقَتْ فوق جسمي‏ خَدَرَ اللّذّةِ جنسيّاً، قَشَرْتُ الفستقَ الطَّازج،‏ كانت نسماتٌ من رحيقِ الخبز تدنو من مسامي‏ عندما بالنّور أحرقتُ شفاهاً في حبورٍ لامسَتْ‏ برعمَ شهواتٍ... وكان المشهدُ السّاحرُ:‏ عُبّادٌ يقيمون الصَّلاهْ‏ وأنا أمتلكُ الأنثى وأُنسى بين موتٍ وحياهْ...‏ (6)‏ أجدُ الأنثى كما كانتْ تكونْ:‏ هذه ريحانةُ الأنْسِ‏ وتلويحٌ بأيدي النّهر للشّمس‏ مناراتٌ لأربابِ البحار الموحشَهْ‏ هذه ياقوتةٌ ترصدُ بوحاً من ضياءِ‏ كنت أفضيتُ إليها مدنفاً،‏ تأكلُ عينايَ المداراتِ إلى معبدها‏ كنت ألقيتُ حواليها أغانيَّ‏ وأغدقتُ على خلوتها وحيَ مزاميري‏ فحنّتْ، ثمّ غنّتْ نغماً فوق الغناءِ‏ تلك من أفنيتُ هذا الصّيفَ في تشكيلها‏ أسقي يديها قُبلاتي‏ وإذا لم تمتثل أبكي،‏ ومَنْ كُرمى لنهديها تعلّمتُ من النَّاي شروداً‏ خلف قُطْعان الهيامْ‏ ولإشراقاتها المُثلى على الوجدانِ‏ عبّأتُ وريدي برنين الشَّهواتِ‏ هي من تمضي لأمضي‏ وهي من تأتي لآتي...‏ (7)‏ أجد الأنثى... بها أوصلْتُ أشتاتي إلى مُطْلَقها‏ ولها ولّهتُ أَعْماقي بفردوس السّلامْ‏ هي من تبدأُ بي أيّامَها الأولى‏ وتصطافُ على نهرِ الختامْ‏ هي من أوغلتُ في سرد تفاصيلِ معانيها...‏ أأُخفي بَرْقَ أهوائي إذا عرَّيتُها؟‏ كيف أستثني من الرّقص ولو ضلعاً يتيماً فيَّ؟‏ كيف الرّوح لا تَعْرى وتغدو جسداً؟‏ هكذا أيَّتها الأرضُ أسمّي باسمها،‏ يرفعني الحبُّ، جناحاه يداها‏ والمسافات رؤاها‏ طائرٌ فيها من الخصرِ إلى السِّحرِ‏ من الإعلان للسّرِّ‏ تغطّيني بهَمْس عسليٍّ‏ وتباهي أنّها من نسلِ أنثى ساحَرهْ‏ فأراها أطلعتْ من حجرِ الرّوحِ زهوراً ومياها‏ وأراها تحت جلدي نُقِشَت‏ مثلما يُنقَش اسمٌ في خلود الذّاكرهْ...‏ ___________ بين /3/ و/11/ أيلول/ 1995‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4738 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • تشكيلات في مديح ريحانة الأنس