• بيت الأنثى

    كم من الأزهارِ في النّافذةِ العليا لبيتٍ‏ لم يلامسْ بابُهُ ظلِّي؟ وما خبّأتُ في جيبيَ منه‏ ياسميناً سيَّجَتْه كلماتي‏ وبَنَتْ في سطحهِ منزلةً خضراءَ للبنت الَّتي‏ أتركُها كلَّ نهارٍ ويوافيني نداها‏ من بعيدٍ قطراتٍ قطراتِ‏ بيتها في سفح روحي صاعدٌ منه غمام الشَّوقِ،‏ في أعتابه بقيا نداءٍ تاه منّي‏ هل يعودُ؟‏ ما الّذي تقرأه البنتُ وقدْ غطّت يديها‏ بأناشيدي؟ أيُرضيها النّشيد؟‏ فلتَقُمْ، ولتسدلِ الأستارَ،‏ حتّى إنْ تعرَّتْ لا يراها غيرُه،‏ تُخرِجُ من جيب عطورٍ نهدَها‏ وأنا في الظّلّ مطويٌّ كأوراقِ نشيدي‏ أرقُبُ النّافذةَ العليا،‏ وأزهاراً،‏ وأرنو للبعيدِ...‏ ... ... ...‏ مرّةً... غافلتُها ليلاً،‏ فأغلقنا علينا اللَّيلَ،‏ كان الصّمتُ كونيّاً،‏ وأعصابُ الهواءْ،‏ شجرٌ قامَتْ به الرّيحُ،‏ مشتْ في جذعه النّارُ،‏ وكان الثّمُر الغضُّ ارتعاشاً‏ كلّما أبصرَ أنّ الأرضَ تهذي‏ لا أمامٌ، لا وراءْ‏ وقميصُ القمرِ الفضّيّ مشلوحٌ على الغيمِ،‏ وسكّان السّماءْ‏ سجدوا للنّوم حتَّى الانطفاءْ‏ تركوا للشّاعر الضِّلِّيل يستضوئُ في الظُّلمةِ‏ بالنُّور الّذي تنشئهُ الحلمةُ،‏ كان العنبُ الأحمرُ والتّفّاح والموز‏ ولغزُ الاشتهاءْ‏ كلّ هذا حاضرٌ في غيبة الحسِّ‏ وكان البيتُ يغزوني بنظْراتٍ‏ كأَنْ لَمْ أحترقْ في بهوهِ ليلاً،‏ ولم أترك على أثوابه آثارَ أحزاني‏ أنا من في زواياك اكتشفتُ الكنزَ‏ علَّقتُ على بابكَ مصباحَ علاءْ‏ وعلى مهدكَ أنثايَ الَّتي‏ -لا والّذي أنَّثَها-‏ لن تنحني إلاّ على مرآتها الزّرقاءِ‏ تستقرئُ عينيها‏ وتُرخي شَعْرها يسترُ بُرْجاً‏ هدَّهُ عَصْفُ البكاءْ‏ أيّها البيتُ سلاماً كلَّما ضاقتْ بيَ الأرضُ،‏ سلاماً كلَّما زارتكَ بنتٌ‏ تحت جفنيها بلادُ الشَّام تغفو‏ قدماها شاطئاً حلْمٍ وماءْ‏ وحدها تعرفُ في خاتمةِ اللَّيل‏ لماذا يُنتجُ الحبُّ بكاءً بين نهديها،‏ لماذا يتجلّى فوقها ومضُ ملاكٍ‏ قربها فجرٌ من العري‏ وفي أقدامها نومٌ تدلَّى‏ جسمها ينضح فلاَّ‏ لم أكن مجنونها إلاّ قليلاً‏ لم تكن مجنونتي إلاَّ أقَلاَّ‏ فلماذا اشتعلَ البيت بما فيه؟‏ وظلَّ العنبُ الأحمرُ، والتّفَّاحُ، والموزُ،‏ ولغزُ الاشتهاءْ؟...‏ ... ... ...‏ مرّةً... غافلتُه ظُهراً‏ سألتُ الشَّمسَ في قبّة يوم الجمْعةِ الغامضِ عنه‏ وسألتُ الطّفلَ والبائع عنهُ‏ أين بوَّابتهُ؟‏ شبّاكه‏ يكشفُ أو يُخفْي حريراً طرَّزته بيديها‏ فارتمى في زخرفات اللّون حلْمٌ بالصَّهيلْ؟‏ أين موسيقاه من جدرانه كانت تسيلْ؟‏ كل ما أبصره حقٌّ: بيوتُ الحيِّ،‏ والشَّاراتُ مازالَتْ،‏ وهذي صُوَرٌ ألْصَقَها طفلٌ على السّور الطّويلْ‏ كلّ شيءٍ... كلّ شيءٍ... وحدَهُ البيت الجميلْ‏ لفظةٌ في دفتر الرّيح...‏ أيمضي البيتُ عن أسوارِهِ؟‏ يدخل في ثقبٍ من النّاي ويغدو شبحاً‏ يصطادهُ الشِّعرُ بمفتاحِ الكلامْ؟‏ ... ... ...‏ فجأةً /حدَّقتُ في الشّرْفات،‏ جاراتٌ لها هامسنَني: بيتُها مازال،‏ لن تبصَرهُ في الضَّوء،‏ فلتأتِ إذا حلَّ ظلامْ...‏ ___________ 14/أيلول/ 1995‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4708 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • بيت الأنثى