• دمي يجري في وادي النضارة

    لم أقل للرّيح أن تخلَعَ ثوب الحبِّ عنا‏ لم أقل للرّيح/ لكنَّا انكسرنا‏ مثل تفّاح هوى من شجرٍ كنَّا زرعنا‏ أسأل الآن يداً تجمَعُ ألواحاً من الفخَّارِ:‏ كيف ارتطمَ القلبان، وانسابَتْ أغانٍ جارحَةْ؟‏ كيف أغلقْنا، ولو سهواً، كتابَ الشَّمع في ظلمتنا؟‏ كيف استطاع الجسدُ العاشقُ أن يمنحَ للصَّمت مزاياه،‏ وأن يُمْلي على مرآتيَ الثَّكلى وصاياهُ،‏ لمنْ أنسج ليلَ الدّمع بالشِّعر إذاً؟‏ مرّتْ عليَّ الطّيرُ، كم حمَّلتُها بيدرَ أحلامٍ‏ إلى قريةِ أعماقكِ؟‏ كم شقّتْ بروقٌ صخرَ صدري‏ وأنا أفتتح الرّمزَ،‏ وأستمتعُ بالصّوتِ الَّذي يأخذُ وَقْعَ النَّهدِ،‏ أو قيثار عطرِ؟‏ كم نشيدٍ صغتُ من أقدامكِ البيضاء؟‏ كم رشفةِ أفعى ذقتُ حتّى بلغتْ كفّايَ‏ تفّاحةَ صدركْ؟‏ هل عليَّ الآن أن أشرحَ ميثاق المدى الصَّاعدِ‏ في ذاكرتي؟‏ وأقود اللّغة الأولى إلى مرعى خيالاتكِ،‏ حتّى تؤمني أنّي بديعُ اللّغةِ؟‏ ليس من أرض المجازْ‏ هذه القصَّةُ/ فالدَّمعُ تداعى امرأةً‏ فوق رصيفٍ من رحيلْ‏ اذهبي/ لا تذهبي‏ ودِّعيني، واهدمي ما رفعَ الشّاعرُ من أبراج ماء سلسبيلْ‏ ازرعيني برعماً‏ في إناءٍ مستحيلْ‏ اذهبي/ لا تذهبي‏ صادقٌ هذا الفراغ المُرُّ،‏ إذْ يلتفّ حولي حبلُ صبّارٍ،‏ غريبٌ قلَقُ الحبِّ فلا تنتحبي‏ وارجعي نُجْلِسْ على طاولة الغيم أصابيعَ شجارٍ‏ قُطِعَتْ مِن شجرةٍ أوراقُها من لهب...‏ اتركي الفرصة للشّاعر أن يحكمَ لحْظاتٍ‏ شعوباً من كآباتٍ نَمَتْ في صدره‏ حاولي أن تجمعي منفى خلاياه،‏ وأوراقَ خريفٍ أجهشتْ في شعره‏ أنت إسراءٌ وإغراءٌ‏ ومعراجٌ إلى اللّذَّة‏ أفواجٌ من الرَّأفةِ‏ أضواءُ على نهرِ دمي‏ واحدةٌ أكثر من جَمْعٍ‏ فتاةٌ وحياةٌ‏ وحضورٌ في غياب اللّيل‏ في أحصنةِ الفجر تقودُ الكونَ نحو العملِ‏ المائيِّ والبرّيِّ في حقلِ اختلاطِ الكائناتْ‏ أنتِ من أفرجتِ عن شِعريَ من زنزانة الدّمِّ‏ إلى شمس يديها‏ لأزفّ الأرضَ في عرس الحياةْ‏ لا تعيدي عرباتِ الحبِّ نحو الغسقِ الأوَّلِ‏ لا تبتردي بالماءِ إن كانت يدي تنضحُ ناراً‏ لا تردّي حبرَ أفراحي إلى سجن الدّواةْ‏ هدهدي مهدي لأهديك من الأهدابِ أزهارَ هدوئي‏ عندما وجّهتُ محرابي إلى قبلةِ نهديك،‏ ألم تنتبهي أنّي على شرفةِ بركانٍ أصلّي؟‏ إنّه قلبي الّذي يلتقطُ الأنجمَ من معبدها الفضّيِّ،‏ يصغي لخطى لم تبتدئْ بعدُ،‏ وشِعرٍ لم يُقَلْ بعدُ،‏ وحربٍ لم تَقُمْ بعدُ،‏ وسلمٍ لم يَدُمْ بعدُ،‏ وأرضٍ من زهورٍ وترابٍ من حرير‏ إنّه قلبي على رمح النّبوّات ارتفعْ‏ لعنةُ الحَدْس على شريانه تنصُبُ أقواساً،‏ هو الرَّائعُ في تفتيحِهِ الكلّيِّ،‏ والضّائعُ في أرجوحةٍ من جدلِ الأوهامِ‏ تعلو في ضبابٍ وغموضٍ‏ هو قلبي لكِ فيه دارُ نحلٍ من حنينْ‏ إبرٌ تلسع ياقوتَ ضلوعي‏ لتسيل الشّهوةُ الحمراء ينبوعَ أنينْ‏ عندما كلَّ مساءٍ أفتَحُ الذّكرى على وادي النَّضارهْ‏ فأرى في آخر الوادي دمي يجري غزالاً‏ صاده سَهْمٌ ْ‏ أرى بين جفوني اشتعلتْ نارُ جنوني‏ مزجت عطرَ حلالٍ بحرامْ...‏ لم أقل للحزن خذني من يدِ الحُبِّ،‏ فما أَلْطَفَ هذا الضَّوء في عينيك،‏ ما أبرأَ زَهْرَ الصَّمت في غصنكِ، لكنْ.../‏ أيّ تأويل لهذا القمر المكسورِ‏ في قبّةِ أهدابي وقلبِكْ؟‏ بعد أن أرضَعَنا من فضّةِ الأحلامِ؟‏ ما أكثَفَ هذا الحزنَ في دربي ودربكْ‏ فاكشفي عن خطوةٍ أخرى لحبيِّ‏ أنكشفْ عن جنَّةٍ أخرى لحبِّكْ...‏ لا تغيبي أمس عن يومٍ سيأتي‏ وأنا أضبطُ أصواتَ الرّياحْ‏ حسبَ ميقاتِ ظهورِكْ‏ ونضوجَ الخمرِ في أبهاءِ أحلامي على شلاَّل نورِكْ‏ أنا مازلتُ على صدركِ،‏ أستذوقُ طَعْمَ الخَلْق والرّعشة‏ إذ أعتصرُ العنقودَ في إبريقكِ الشّفَّافِ،‏ أمحو ظلماتي‏ مُثْبِتاً إيقاعَ ذاتي‏ بحضورِكْ...‏ ___________ 27/تشرين الثاني/ 1995‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4584 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • دمي يجري في وادي النضارة