• مرثية للرُّبا الأولى

    يا رُبا... ما ذلكَ الصَّوتُ الَّذي ينهضُ من‏ أعماقِ هذا المشهد الرّاسخِ في الحزن‏ وأحلام الرّحيلْ؟‏ قربَ أعشابِكِ مَرَّ العاشقونْ‏ مرّت الأحصنةُ التَّعبى، وخلّتْ‏ عند أقدامكِ جمراً للصَّهيلْ‏ تقعدين الآن في ذاكرة الأرضِ‏ تسوقين فراشاتٍ وأزهاراً لخلاَّنٍ يتامى‏ وأباريقَ اشتهاءٍ وجنونْ‏ لأرى بين يديك العمرَ قنديلَ لغاتٍ‏ وأشمَّ الوطنَ الذّائبَ في أنهارِكِ الأولى‏ فأصطادُ بقايا لؤلؤٍ يرسبُ‏ في قاع مياه الذّكرياتْ‏ يا رُبا... طينُكِ مرآةُ شعوبٍ خذلَتْها الأضحياتْ‏ ضاع من بين يديها عسلُ الحلْم وأثداءُ اللَّبنْ‏ وحدها الأطلالُ في سِفر التَّداعي‏ شاهدٌ يُقْرَأُ، أو يُكْتَبُ، أو يُرْشَقُ في وجه الزّمنْ‏ كم خلودٍ حولَ عشبِ البئرِ جاوزناه؟‏ يا رابيةَ الماضي،‏ ويا مهدَ الرّبوبيّةِ في قَصْر السُّكارى‏ تلدين الآن أجراساً وترتادين أعراساً،‏ وتنسين على بوّابةِ الرّوح طيوراً‏ حوّمتْ دهراً، وآبَتْ من بواديها حيارى‏ في ثناياكِ رمتْ آلهةُ الرّعد بذارا‏ لتعاني غسقَ الحَمْلِ،‏ ويعطي رحُمكِ الأرضيُّ أقماراً صغارا‏ نحن يا رابيةَ الرّبّ وقفنا‏ نرجمُ القحطَ بحبّات الكرزْ‏ بأصابيعَ من الرَّيحان نبني‏ لبيوت الحُبِّ في الظّلِّ ستاراً وستارا‏ نرسمُ الأعناقَ من كَنْرِ خيالاتٍ تمطّتْ‏ ترقبُ القادمَ من خلفكِ../‏ فرسانٌ أتَوْا، ضلّوا،‏ وصلّوا لانبعاثِ الشّفقِ الأخضرِ ممدوداً على سفحِكِ،‏ هل ناموا قريباً وبعيداً،‏ أم مضَوْا من قبلِ أن يسقطَ سلطانٌ من الأحلامِ‏ في مهدكِ؟‏ ماهذا الَّذي يسري ويستشري؟‏ هل الوحشةُ؟‏ أبعادٌ تلاشَتْ‏ وأغاني الرّيِّ في حنجرة الرَّاعي الأخيرْ،‏ كسرَتْ مزمارَها...‏ سالَتْ أناشيدُ البدائيّين كالجرَّةِ قرب النَّبعِ...‏ من يحملُ عنّي جرَّة الدَّمع؟‏ ومن يأخذُ منّي التّاجَ مرميّاً بعرسٍ عربيٍّ لا يُقامْ؟‏ أم هيَ الإلفة، مطويٌّ بها الكَونُ على داخلِه،‏ مستوحداً حتَّى فُتاتِ العظم فيهِ؟‏ كان كوناً من غزالاتٍ وعشّاقٍ وأوتادِ خيامْ‏ جمعتْ نسلاً من الوجدِ،‏ أراقَتْ في اللّيالي الطِّيبَ،‏ والقهوةَ في أحداقِ عذريّين ذابوا في الظَّلامْ‏ حين غنّوا للرّبا الجرداءِ من قمصانها الخضراءِ‏ والتاعوا بفَقْدٍ وانقسامْ‏ ربّ هل دلّلتَ غرباناً وأذلَلْتَ الحمامْ؟‏ وتجلّيتَ بجلبابِ دخانٍ‏ في ليالٍ: حجَرٌ كوكبها،‏ أبراجها مخبأُ دعواتٍ رماها الخَلْقُ‏ لمّا لمَّهُمْ مَهْدُ المنامْ‏ طالت الرّقصةُ‏ والمائدةُ انفضَّ بنو خمرتها عنها‏ وأرواحُ الرّبا حلّت بأنقاضٍ‏ أتى الشّاعر يبنيها‏ يعيد الخصب فيها‏ فرأى أنَّ الولاداتِ كلامٌ في كلامْ...‏ ______________ 17/أيار/1996‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4366 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مرثية للرُّبا الأولى