• من جدل القلب

    يجتاحُني فَجْرٌ،‏ زوارقُ رغبتي جنَحَتْ إليكِ‏ أصابعُ النِّسيانِ فكَّتْ عن ضفافِ الوقتِ أشجارَ الخريفِ‏ فتظاهري ضدَّ الحجارةِ في خُطاكِ‏ وطالبي الأقمارَ أن تُلْقي وصايا النُّورِ‏ في أُمَم النَّزيفِ‏ وتقمَّصي مطراً وعودي وعلةً‏ أو عشبةً، أو وردةً بيضاءَ تحضُنُ أختَها الحمراءَ‏ واشتعلي أمامي‏ زهراءَ، أبني من شذاها بعضَ ما امتلأتْ به روحُ الحطامِ‏ مَنْ أنتِ؟ حتَّى أستفيضَ أمامها كالبحرِ؟ لا تتساءلي‏ وتجاهلي هذا الجنونَ،‏ فتلك أرضُ بصيرتي اكتشفَتْ نوافذَ فضّةٍ‏ يتسرَّبُ الإيقاع منها...‏ أنتِ مائدةُ الحوارِ،‏ يداك مفتاحُ الكلامِ‏ وأنا بيوتٌ أُقْفِلَتْ بالحزن، فافتتحي‏ أضيئي كوكبي الأقصى تدلَّى من ثريّاتِ الهيامِ‏ وتجوَّلي في تيه أعماقي، ارفعي حجر الظَّلامِ‏ تجدي المغنّي داخلي جسراً تمرُّ عليه قافلةُ الوجود الرَّاحلِ‏ وإذا عثرتِ على الطَّبيعة داخلي‏ فتقاسميها كلَّها ودَعي لروحي فطرةً أولى،‏ وقلباً ضلَّ عن أسمائه الحسنى‏ وألَّفَ فيَّ غيماً للجنونْ‏ ما زال يبحث عن تراب فوقَهُ يرمي تحيَّتَهُ،‏ ليقدر أن يكونْ‏ حرّاً كما ذكرى تفاجئ حارس الظّلماتِ‏ تدخلُ أيَّ نافذة،‏ تعيدُ قراءة الأشياء، تكسر لي المرايا‏ وتشدّني نحوي فأمسك بي،‏ كأني من جديد أُكْتَشَفْ‏ فإذا أنا فخّارُ أحزانٍ على جدرانِهِ‏ سال الغناءُ البابليُّ،‏ وفيه يُعتَصَرُ النَّبيذُ،‏ ومنه تُبْتَكَرُ التُّحَفْ‏ لا تغلقي باب الصَّباح عليّ، أنتِ صباحُ بابي‏ منه سأدخل نحو أصدائي القديمةِ،‏ منه أبتدئُ التجوّل في ضبابي‏ لألمَّ ذاكرةً تشظَّتْ في الهواء‏ أديرُها في الرّيح أطلقها طيوراً‏ نحو عائلة القبابِ‏ أنت الّتي لا أدّعي ذهباً لحضرتها،‏ ولكن أدَّعي غَيْبي بها‏ لأغيبَ بضع مواسم عنّي، وأسهو عن خرابي...‏ فأراكِ عصفوراً بريش بنفسجٍ‏ ويدين من زهرٍ خجول طازجٍ‏ وسريرَ أفكارٍ تحطّ عليه أسراب الحمامِ‏ هذا أنا: صيَّادُ أشواقٍ، وصيْدٌ للصَّدى‏ فخُذي جميعَ فرائسي الزّرقاء والخضراء والحمراء‏ والتحفي بأجفاني،‏ ونامي...‏ ...........‏ نامي، ولي صحوٌ فضائيٌّ ولي أرقُ الأنامِ‏ هبطتْ مخيِّلةٌ معطَّرةٌ،‏ أضاء المخملُ الشفَّافُ في جسد المجازِ‏ وشممتُ طيبَ الأرض من نَحْوِ الحجازِ‏ وسمعتُ بوح العاشقين من الخيام اللّيّناتِ‏ وجوهُهُمْ كدموع آلهةٍ‏ ورغبتهمْ صهيل الآلهاتِ‏ ورأيتُ نفسي بينهم أتلو عليهم ما حفظتُ،‏ فقيل: صمتاً يا فتى...‏ فهنا نقولُ بلا كلامِ...‏ دع عنك شيطان اليقينْ‏ اسلك متاه الشاردينْ‏ واتبَعْ ضلالَكَ‏ وانفصل لتنالَ من فصلٍ وصالَكْ‏ وارجع إلينا يا حفيدَ الوجدِ،‏ يابْنَ اليأسِ خلاّقاً‏ كأنَّكَ لم تكن ذكرى على جَمْرِ الغضا‏ ترخي ظلالَكْ‏ كم مرّةٍ نوديتَ: أنتَ على شغاف القلبِ‏ تمشي غافلاً، فاخلع نعالَكْ‏ واقبَلْ مزيجَ الوقت في إبريق ساعاتٍ‏ تعانقُ خمرةً معصورةً بيدِ الدّهورِ‏ والرّوح بين يديكَ طيِّعةٌ ومطلَقَةُ السُّرورِ‏ فاسكر على الجنبَيْن،‏ أين تألّقتْ عيناكَ، فالآفاقُ من نارٍ ونورِ...‏ صمتاً إذاً... ما للكلام المستحيل؟ ومَنْ أحالَكْ؟‏ قلنا وقيَّدَنا الكلامُ، فلا أبا لكْ‏ اسفَحْ جمالَكَ كلَّهُ لتصدِّق الأنثى جمالَكْ...‏ ............‏ نامي... ولي كبدُ القصيدةِ، مجمَعُ الخمرَيْنِ فيه:‏ أنتِ واللّغة العتيقَهْ‏ نامي... هنا أوراقُ أحلامي تطيرُ من الأغاني‏ كلَّما حركتُ أوتاري، سمعتُ صدى حريقي‏ ثمَّ انحنيتُ على دماري‏ نوَّرتُ بيتَ الرّوح رقّصْتُ الغيابَ على أصابعه‏ أفاقَتْ من مغارتها القصائدُ...‏ كلّ أنثى ظلُّها شِعرٌ‏ وتحتَ لسانها نبعٌ من السّحر القديمِ‏ يضيءُ وعد الياسمينْ‏ يسقي نباتَ العارفينْ‏ ورأيتُ صوتكِ منذراً ومبشّراً‏ مغزولةٌ كلماتُه بنسيج "مريم" أمِّنا‏ قال: انتبهْ لخطاك يا مجنونُ...‏ وانفتحَتْ مخابئُ ذكرياتٍ...‏ كلّهنّ يقلْنَ يا مجنونُ‏ قلبي أيها الملعونُ‏ ضع مزمارَ حبِّك في شفاه اليأسِ‏ واسمعْ نبضَكَ المخزونَ في حجرِ البكاء‏ واعزفْ لكونٍ شرِّدَتْ قطعانُهُ من راحتيكْ‏ هل كنتَ تبحَثُ عنكَ فيكَ،‏ وأنتَ في الشّرفات- هاربةً- تقيمْ؟‏ الأرضُ فجرٌ آخَرٌ لنشيدِهِ سجدَ المغنِّي‏ فاذهَبْ إليها أيّها القلبُ الموزَّع بين أقطاب الرَّحى‏ كالبيدر المنفوشِ من فرح وحزنِ‏ غشَّتكَ لاعبةٌ، وباعك ساحرٌ،‏ هل جاء وقتُ الصَّمتِ؟‏ نامي مرّةً أخرى، لأصحو مرّةً أخرى،‏ أعلّمكِ السَّهَرْ؟؟؟‏ :ضمِّي يديك على القَمَرْ‏ ولتسمحي للغيم أن يجلو الفضاءْ‏ أصْغي لإيقاع الكواكبِ في السَّحَرْ‏ الكونُ في عينيكِ أصغَرُ من حنيني‏ إلاّ قليلاً، فاستعيني‏ بالدَّاخل العاري، أضيئي‏ محرابَ قلبكِ بالصّلاة مع الشّجرْ‏ لا تقرئي كتباً، وطوفي حول عطر مستتِرْ‏ خلف الضَّمير، فكلُّ وردٍ مستمرْ‏ بعبيرِهِ... استمعي إلى النّسيان حتّى تذكُري‏ وكلي من الشَّجر المحرَّم واكبري‏ فجرَيْنِ... وارتدِّي إلى حجرٍ يذوِّبه حَجَرْ‏ هذي هي الجدرانُ راكعةً وراءك،‏ والدّجى شيخٌ جليلٌ ينتظرْ‏ أن تأمريهِ بالرَّحيلْ‏ هل تبصرين الآن زهرَ النَّوم نامْ‏ والصّحو صحوٌ منتصرْ؟‏ فإذا فتحتِ الفجرَ بابَ القهوة السَّوداءِ،‏ وانتشر النّعاسُ على هوائكِ،‏ داعبيه بكلّ ما أوتيتِ من "فيروزَ"‏ أصْغي مرَّةً أخرى‏ سيقرعُ بابك الخشبيُّ‏ يدخلُ شاعرٌ ثمِلٌ بصَحْوٍ لا يزولْ‏ ويقولُ: ما أشهاكِ هذا الفجرَ،‏ يا أنثى الرَّبيع، ويا مرتِّبة الفصولْ‏ يا حلْمَ عاشقةٍ رأتْ مطراً ورائي نازلاً‏ لا تسألي ما سرُّ أسبابِ النُّزولْ‏ واستسلمي لنبوءةٍ مائيَّةٍ‏ فاضَتْ على ظمأ الحقولْ‏ فالأصلُ: ماءٌ خالقٌ‏ وأنا ربيتُ على الأصولْ... __________‏ 23/2/1999- 31/3/1998‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4932 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من جدل القلب