• قراءة في غابة برجها

    لم تبلغي عمرَ الرّياحِ‏ وفي يديك الوقتُ لم يُسقِطْ نيازكَهُ‏ لتشتعلي بما فيه الكفايَةْ...‏ أنا والنَّشيدُ كشرفتين تدافعان عن الفضاءِ‏ وقد توشَّح بالبياضِ...‏ أكنت تختزنين أشجاراً‏ وتبتدعين أعذاراً لوقْفِ الرِّيحِ؟‏ يا أنثى بلا أسماءَ...‏ أدعو بابَ صمتك أن يقول الفجرَ‏ إنّ الفجرَ ليس له نهايَهْ‏ وأنا حليفُكِ...‏ صدِّقي هذا الجنونَ‏ فمنهُ تنكشفُ البدايَةُ للبدايَهْ‏ فبأيّ شعرٍ سوف يصحو الكونُ؟‏ أيّةَ خطوةٍ يخطو،‏ وأيةَ وردةٍ يختارُ من أجل السّلام عليكِ؟‏ حين تباركينَ هواءَ شاعركِ الحزينْ‏ لم تبلغي عُمرَ الرياحِ،‏ أنا هبوبُ الجامحينَ‏ لهم أنقِّطُ في الظَّلام كواكباً سكرى‏ أخيِّمُ بين فوضاها‏ وأنتِ بعيدةٌ وقريبةٌ‏ تتجمَّلين بغيمةٍ شفَّافةٍ تخفي وتعلنُ كيفما دارَتْ...‏ فيا ربّ الفصول أعنْ مخيَّلةَ الأميرَةْ‏ حتّى تضيءَ حمامةً بيضاء تصغي،‏ تنجلي في روحها الرّؤيا‏ وقد تبكي وتغمضُ عينَها في عين كلِّكْ‏ حتّى تذوبَ كشمعةٍ في باب ليلِكْ‏ سأحبّها عذراءَ ساجدةً‏ تراها غضّةً كالفلِّ،‏ طيّبةً كإحساس قديمٍ بالشِّتاءْ‏ فاختَرْ لها قمراً يشمُّ بياضها‏ ويدلّ فضَّتها عليها‏ واترك لها أسرارها منها إليها...‏ ... ... ...‏ أنا والنّشيد نتيه فيكِ، فلا تخافي‏ ضعفُ الخلائق سرُّ مشهدنا القويِّ...‏ ونحن جرَّةُ ممكناتٍ عُتِّقَتْ في اليأسِ،‏ فيها خمرةٌ نُسِيَتْ‏ ومفتاحٌ لبابِ مغارة الذّكرى،‏ وعشبٌ طازجٌ يكفي لوادٍ من خرافِ‏ فيها رموزٌ غافياتٌ خلف لغزِ الموتِ،‏ فيها لعنةُ القلق الَّذي‏ يتبادل الشّعراء كعبَتَهُ‏ ويحترقونَ في لهب الطَّوافِ‏ أنا والنَّشيدُ صغيرتي بحران يقتتلان فيكِ‏ وربَّما تجدينَ بعضاً من زوارق في يدي،‏ لا بدّ من غرقٍ‏ ليرمي البحرُ ما ليسَتْ ضفافي...‏ ... ... ...‏ أنا لم ألوّثْ أرضك الخضراءَ‏ لم أسرقْ فواكهَ لستُ سيِّدها‏ وما أطلقتُ ذئبَ الطّينِ خلف شذاكِ،‏ تلك حديقةُ الأسماء تفرطُ زهر شهوتِها‏ بآنية السّلامِ‏ وأنا طويتُ عليك أجفاني،‏ أخافُ عليك من صَحْوِي فظلّي في منامي‏ بيتاً من الأشباح أقصدُهُ‏ أدورُ أمام عتبته بهيجاً‏ أكتفي منه بأن يبقى قصيّاً‏ كلَّما أغويتُه فَتْحاً،‏ رجعتُ وداخلي وحشُ النّدمْ‏ ينقضُّ فوق سنابلي‏ ليسيلَ من أعماقها ذهَبٌ ودَمْ‏ وأقولُ يا أشباحُ ضيعي‏ واغمري مهدَ الأميرةِ،‏ في وسادته طيورُ الصَّمتِ‏ حين تؤوبُ من أقصى الرَّحيلِ‏ وتنزوي بظلالها في غفلةٍ عنّي‏ كدارٍ كلَّما ضوَّأتُها بالمنشدين ليمدحوها‏ أطفأتْ قنديلها‏ ورمتْ من الشّباكِ- أرضاً- عاشقيها‏ كلَّما حاولتُ تأويل الغموضِ أمام شمعة هيكلي‏ فاجأتُ نفسي مبهماً‏ وغفوتُ تحت عرائشِ الهذيانِ أرسمها، وأخطئُ،‏ أو أجمّل معجمي بشعاعها‏ وأرى إليها بالحواس الكامنَةْ‏ أتبصَّرُ المعنى الخفيَّ وراء غابةِ برجها الفلكيِّ:‏ لا منْ قسوةٍ هيَ،‏ لا قبولَ لأضحياتي عند مذبحها‏ إشارتُها: نداءٌ،‏ خلفَ مشهدها ضبابْ‏ وإذا استمعتُ إلى أناملها ارتفعتُ إلى السَّحابْ‏ وهناكَ تطردُني، وتقذفني بأوَّل نجمة نحو التّرابْ‏ أهيَ الأنوثةُ: لا سؤالَ ولا جوابْ؟...‏ ... ... ...‏ أنا والنَّشيد يواصلانك نشوةً في إثْر نشوَهْ‏ يا حضرةً أنا في مآذنها اخضرارٌ سرمديٌّ‏ أستعينُ بحبِّه‏ وأنا به حلوٌ من الأعماقِ‏ حتَّى وحشةُ الموتى بقبرِ الرّوح حلوَهْ...‏ وبها نعيمٌ مستتِرْ‏ أدعو لها باليُمْن والبركات كيف توجَّهَتْ‏ وأنيرُ حول كشوفها قلبي ليسنُدَها‏ وقلبي ينتظرْ‏ حتَّى تغادر وقتها‏ ليعودَ نحو ضلوعهِ ويعدّ كم ضلعٍ كُسِرْ...‏ ولها الكلامُ يرقُّ مخمله‏ لها من كرميَ الفيَّاض أوَّلُهُ‏ لها ولَهٌ ولي ولَه‏ أنا نسيانها الآتي‏ أقول لروحي: انتبهي‏ فقبلَكِ ضاعَ من عَشقوا وما انتبهوا...‏ لها أني أضمُّ خيالها وحدي‏ وأعكفُ في بقيةِ وحدتي‏ لتجيئني ملَكاً‏ مجلجلةً بأجراس الخيالْ‏ وتقول: اقرأْ‏ فأقولُ: ما أنا قارئٌ إلاَّ الجمالْ‏ وأعودُ نحو المهد مرتجفاً‏ وفوق يدي حريقُ الحلمِ‏ أتلفُ قامتي‏ وأهيمُ ظلاًّ خلفَ قطعان الظِّلالْ...‏ _________ 29/4/1998‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4476 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • قراءة في غابة برجها