• رقص على أرض موحشة

    هل أصدّقُ بعدُ؟‏ يداكِ تديران في الرّوح طاحونةَ الرّعبِ،‏ مرتجفٌ أفقي عندما تعبرين كواكبَه‏ ونهارُكِ أغربُ ممَّا أظنُّ‏ دعي باب صوتي بلا وردةٍ‏ واستعيدي ضياعكِ‏ غطّي الهواء بما تستطيعين من حجرٍ وخريفٍ‏ تماديتِ في غِيِّكِ المتقلّبِ‏ فرّطتِ بالكلمات الَّتي خلقتْ‏ برج قلبك، فانساب منه الهديلْ‏ لم تقولي كما ينبغي أن يقول النَّهار لسكَّانهِ‏ والغناءُ لأحزانه‏ والمغنيّ لقيثاره مهملاً منذ موتٍ طويلْ‏ لم تردّي السّتارة عند هجوم الصَّقيع‏ على الياسمين الَّذي كان يرضى‏ بأن تمنحيه القليلْ‏ البساتينُ لم يكتملْ لوزها‏ والمقاعدُ ما امتلأتْ بالشّعاع‏ مداخلُها ?بَعدُ- لم تكتشَفْ‏ لم نسمّ النَّباتات والحَجَرات الصَّغيرةَ‏ لم نستطعْ أن نردّ إلى الحبّ بعض الجميلْ..‏ هل أصدّقُ بعد؟‏ خيوليَ مكسورةٌ‏ وأنا ما عهدتُ خيوليَ مكسورةً‏ بعد أن ختَمَتْ كلَّ فِقْه الصَّهيلْ‏ كيف أرديتِ بعضي ببعضي؟‏ رفعتِ الكؤوسَ وما فَرغَتْ بعدُ‏ ما زال في قعرها صورٌ للقصيدةِ،‏ عند تأمُّلها، سوف أصنعُ من سحرها المستحيلْ.‏ والقصيدةُ من شأنها أن ترى فيكِ ما تجهلينَ‏ وأن تَدَعَ الأرضَ تحتي تميلْ‏ فلماذا كسرتِ مخيِّلتي‏ وتركتِ أباريقها الوثنيَّةَ فوق التُّراب تسيلْ؟‏ كيف كنتُ أقبِّلُ اسمَكِ؟‏ كيف تقصَّفْتُ من داخلي‏ وانحنيتُ على ركبتيكِ‏ أجمِّع بينهما أبداً مِنْ حريرٍ‏ وأبكي كصوتِ أذانٍ‏ تمرَّغ منشدُهُ بالعويلْ‏ هل أصدّقُ؟ لا..‏ كيف كنتُ أرمِّمُ يأسَك‏ أشتقُّ من عدمٍ قمراً ليديكِ‏ وأغسلُ معبَدَ روحكِ بالعنبر النّبويِّ‏ أفاجئُ جسمَك بالسّلسبيلْ‏ كنتُ أختارُ من مقعدي سهراً لنجومكِ‏ من جسدي مدخلاً لنسيمكِ‏ أُغرِقُ من سوسن الدَّمع واديَكِ الكربلائيّ‏ حيث تخيّم فيه القوافلُ بعد الحرائقِ،‏ يا بنتُ... ما أطولَ الدَّربَ‏ ما أوحشَ القلبَ، والزَّاد فينا قليلْ..‏ ألهذا خلعتِ المغنيّ، وهشَّمت مصباحَهُ؟‏ كيف يُكملُ ألواحَهُ والظَّلام ثقيلْ‏ كم يحبّكِ في وحشتي شاعرٌ لا يغادرني ظلُّه‏ كلَّما أدركَتْ حاسةُ الموت فيه العطورَ،‏ توَّرط بالزَّنجبيلْ..‏ كم يحبّكِ تفتتحين القلاعَ بعرسٍ جليلْ‏ وتعيدين نهر الكواكب‏ تطفو عليه زوارقُ أولِ خَلْقٍ‏ ترفّ على الغَمْرِ،‏ تنعتقين منَ الطّين‏ تنتقلين إلى فلَّة فوق صدر الإلهةِ‏ تولدُ من نفسها الكائناتُ الجديدَهْ‏ كم يحبّك هذا الغريبُ الَّذي تحملُ الأرضُ‏ جنَّتَهُ فوقَها في الصَّباحِ‏ وترفعُهُ ? في الغروب- برمح القصيدَهْ‏ ليزوركِ في نجمةٍ تختفي فجأةً في الغيومِ‏ وتتركُ فوق النَّوافذ فضَّتها‏ يشتهيها، يقيمُ على نورها قلبَهُ،‏ ويشدّ على صمتها وتراً من حنانْ‏ نجمةٌ ضلَّ عنها بَنُوها‏ فقلتُ أقصُّ عليها أساطيرها‏ عندما لم يكنْ غيرها فوق هذا المكانْ‏ قلتُ أبدعُ من غدها ذكرياتي‏ أخِفُّ إليها كتاباً بأجنحةٍ لا تُرى‏ لأكرّس سرَّ حنيني إلى جوهرٍ‏ كان يُطْلِقُني في شذى المُطلقاتِ‏ أطلُّ على الأرض أنقى‏ أباركُ شطآنها‏ ومنازلَ عشَّاقها السَّاهرين على‏ جدولٍ من حكاياتٍ جنّيَةٍ طلعتْ مرّةً‏ من مرايا الصّلاةِ‏ هم الآن ينخطفون بسيرتها‏ ويُطيلون عُمْرَ قناديلهم في الزَّوايا‏ لعلَّ تعيدُ إليهم سحابةَ نورٍ قديمْ‏ كلَّما نعسَتْ بينهم ساعةٌ‏ غسلوها بأقداحهم‏ واستمرّوا بإنشاء معجزةٍ يستردّون فيها‏ طفولاتهم في المنامْ‏ وأنا كنتُ ألمح ذاتي‏ بينهم باحثاً عن سريري العتيقْ‏ يوم كنتِ على حافة النَّوم مفعمةً‏ بتراتيل أمٍّ تهدهدُ قَلْبي‏ وتغمرني بالجحيمْ‏ اخرجي الآنَ ساحرتي‏ فلقد حلَّ حولي ?أكثر ممَّا أريدُ- الظَّلامْ‏ واسرقيني إلى كهفكِ المتفرِّدِ خَلْفَ الضّبابِ‏ لعلّي أرى مرّةً جنّةً لا تجفُّ‏ وفجراً بحَجْمِ طيوري‏ لعلَّ مجرَّةَ عطر تطوفُ‏ لأنطقَ ?لا عَنْ هوى ?إنّما عن هُيامْ‏ هو عهدٌ رمى كرةَ النَّار في العشب‏ وانقسَمَتْ كعبةُ الشّعر بين القبائلِ:‏ كلٌّ يريدُ امتلاكَ طقوس الكلامْ‏ وحده القلبُ سور تهشَّمَ‏ لكنّه ظلَّ يسندُ أحجارَهُ‏ بالنَّبات الأخيرِ على ظلِّه‏ ريثما تنتهي لعبةُ الانقسامْ...‏ ... ... ...‏ هل أصدّق بعدُ؟‏ يدي رجعت وحدَها‏ بعدما سهرَتْ في يديكِ سَنَهْ‏ ومخيّلتي اشتعلتْ بخرائبها‏ بعدما سقطت بنيازكها‏ سكنَتْ عند بابكِ تنتظرُ الرَّقصةَ الممكنَهْ‏ سنةً كنتُ أهوي كبابٍ من الياسمينِ‏ على قدميكِ، سنَهْ‏ شاعراً لعنته السَّماءُ...‏ وأوحَتْ إلى الأرض كي تلعنَهْ...‏ ... ... ...‏ لن أصدّق بعدُ نداءَ الحمامات، لا.‏ لن أعيدَ إلى امرأةٍ سرَّها بعدما انتهكَتْ معبدي‏ لن أسميّ غوايتَها‏ وسأسحبُ عن ركبتيها القصائدَ‏ أُخرِجُ من روحها جسدي‏ لن أكون لها ماضياً لا تقدّسُهُ‏ لن أعيدَ لها حاضراً تقتفيه إلى آخر الأبدِ‏ لن أودَعها، أو أشقّ عليها ثيابي‏ سأمضي إلى فتنةٍ لا تحدُّ‏ إلى شفقٍ منْ قصائدَ يعلو على شرفاتِ غيابي‏ لن أحطّم خلف خطاها الجرارَ‏ سأحملُ نهرَ نبيذي‏ وأصنعُ مائدةً من سرابي‏ وأواصلُ خدمةَ هذا الجمال‏ بشِعرٍ نذرْتُ قناديلَهُ لتضيءَ المحالْ‏ لن أقول لها ما يقالْ‏ عندما يهجرُ الشّعراء حبيباتهم‏ سوف تُمضي بقيّة أيَّامها متخفيةً برماد انتظاري‏ تُهيل اعترافاتها عبثاً‏ فوق قبر الرّياحِ‏ يبعثُرها النَّدم المرُّ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمالْ‏ سوف أفرغُ داليتي من عناقيدها‏ وأُخلّي المكانَ المقدَّسَ من نمنماتِ شذاها‏ أذرُّ رسائلها لتوزّعها العاصفاتُ‏ على نائيات التّلالْ‏ هكذا تنتهي لعبةُ الثَّلج والنَّار‏ لا يتبقَّى سوى كرةٍ يتقاذفُها خائبانِ‏ على ملعبٍ من خيالْ..‏ ... ... ...‏ لن أصدّقَ طيرَيْنِ في شجرٍ يسجدانْ‏ أو أصابعَ تعزفُ في آخر اللَّيل‏ حين يحنّ لصفوهما كائنانْ‏ لن أصدّق شِعراً يزخرفُ لي جنَّةً‏ كلَّما زرتُها عدتُ ممتلئاً بالدّخانْ‏ لن أصدّق باباً يطلّ على امرأةٍ‏ أنحني لجلالتها فأرى برزخاً فوقَهُ برزخانْ‏ لن أصدّق نهراً يقولُ اغتسلْ‏ أو جسوراً تنادي اتّصلْ‏ سأردّ إلى الشّعر وحشتَهُ‏ عائداً مع روحي إلى داخلي‏ لأتابع تشييد منفاي في غفلةٍ عن رؤى العالمينْ‏ وأغلّق بابي عليَّ،‏ وأقتل وحشَ الحنينْ..‏ _________ 23/4/1999‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    5869 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • رقص على أرض موحشة