• لهب يسجد لعينيها

    جمعَ الشّتاءُ ضيوفَه في غابة قد لا تُرى‏ وأتاحَ للعين القليلةِ أن ترى‏ في الماء أكثَرَ من جمالٍ تائهٍ‏ ليقومَ روحٌ من مقام سكونه‏ ويؤجّ في تنّور شاعرْ‏ لهبٌ مُغايرْ‏ لهبٌ يثير حواس سيّدةٍ تسودُ على مباهجها‏ وتملكُ سحرَها من باب لذَّتها إلى محرابها...‏ أتكونُ حافيةَ المساءِ من الغيوم‏ إذا لبستُ الذكرياتْ؟‏ وأرقْتُ من أجراسها نهراً‏ أعرّي فيه نرجستي‏ أعتّق فيه قيثارى فتسكرُ أغنياتي‏ أتكون مالكّةَ الصَّباح‏ لأنحني في نور وقفتها الغنيَّةِ‏ عابداً بين العبادْ‏ تُملي عليَّ فروضها‏ فأطيعُ عينيها وأسجد للسَّوادْ‏ أتكون مانحتي إقامةَ فلّةٍ في جنَّة زرقاءَ؟‏ سافحتي على قدحَيْنِ من عسلٍ وزهرٍ‏ في أعالي صدرها؟‏ ما زلتُ أقرأ في خرافة شعرها‏ سنواتِها... وأضيفُ: أجملَ عمرها...‏ لأكونَ وقْعَ بكائها السّرّىّ في الأمطارِ‏ حامي برجها من لوثة الإعصارِ‏ كيف يهبُّ من أنحائها‏ وأنا سياجٌ من رمادْ؟‏ أو كيف أستلُّ القصائدَ من ضفيرتها،‏ ومن جسدي قطعتُ لها خيالاً؟‏ أسندتُ بنيةَ قهرها‏ بهوائيَ المحروقِ...‏ سهَّرتُ الحرائقَ في عروقي تحت خدمتِها،‏ قطفتُ لها محالاً‏ واجتزتُ جوزاءَ المجازِ‏ عجنتُ ذاكرتي بسحر تناقضاتي‏ جمَّلتُ موتي كي أتيح لها قليلاً من حياةِ...‏ هل أستعيدُ جنون ماضينا‏ إذا وقعت على الأرض اللَّيالي؟‏ واختلفنا حول وصف الحبِّ:‏ هل شجرٌ تقشّرهُ الرّياحْ؟‏ أم معبدٌ لتواجه الأنهارُ عذْرَتَها، وتندفَع الظّلالُ مع الظّلالِ،‏ بزفَّةٍ لا تنتهي حتى يكاثرَها الصَّباحْ؟‏ نحن اشتعلنا غامضَيْنِ‏ وكلَّما انكشفَ الحريقُ لذاتِهِ‏ هجرتْهُ جمرتُهُ تحاول الانطفاءَ‏ فلا جُناحَ عليكِ إِن أمعنتُ فيما أشتهيهِ‏ لا جُناحْ...‏ يا طيريَ القدريَّ هل هذا امتحانُ‏ فيه نجابهُ ضعفنا الكونيَّ؟‏ هل نارٌ ونورٌ نحنُ،‏ أم طينٌ/ هوانُ؟‏ ولنا اختبارٌ في قديم الغيب‏ أَنْ ننمو بذوراً عند مذبح مريم الزَّهراء‏ تنسخُنا الصَّواعقُ عبر أنسجة الطَّبيعةِ،‏ هل نؤّرخ بالهشاشَهْ‏ جسداً عميقَ المَتْنِ،‏ تفضحهُ أمام جمالكِ الأقصى ارتعاشَهْ؟‏ أنواصلُ استقصاءَ فحوى العشقِ في قبر الفراشَهْ؟‏ لا تطفئي القنديلَ...‏ من حقِّي الرَّحيل إليكِ‏ طوَّافاً بأجنحةِ القُوى الزَّرقاء،‏ أكسرُ ظلمتين صغيرتينِ‏ ماذا يباغُتنا؟ ويفصلُ عن يديَّ حديقتينِ؟‏ نحن التّوهّج عَبْرَ نارِ الشّكّ في نبع الإلهِ‏ فلن أذوقَ الحبَّ موتاً مرَّتينِ‏ وأقولُ: ماذا تشتهين من البعيدِ؟‏ أخوضُ كهفاً باطنيَّاً؟‏ أتَّقي لغةَ التَّداعي؟‏ أم أُزَفُّ ببعض أعراسِ الغديرِ؟‏ أزورُ ليلَ المعجزاتِ؟‏ وانزوى بيني وبيني؟‏ هذا إذاً روحُ القصائدِ والرؤى‏ فلتطلبي ما شئت مالكتي،‏ على رأسي وعيني...‏ ولك الحلولُ إذا أردتِ بجرنِ ذاكرتي،‏ ومن قبل الولادة أنتِ فاطمتي،‏ وأختُ شقائق النّعمان في معراج روحي،‏ أنتِ بنتُ الرّوضةِ الخضراءِ في حجٍّ طهورٍ،‏ أنتِ سعْيُ الفكرِ بين صفا ومروَهْ‏ وأنا التَّلاشي في شذاكِ‏ وكلَّما أفنيتُ أحوالي‏ صعدتُ مزارَك العالي‏ فتىً تتعانَقُ الأشجارُ في أجيالهِ‏ تمتدّ من بدءٍ إلى بدءٍ‏ كموجٍ يختلي بضفافِهِ ويضيفُ صبوتَهُ‏ إلى صبواتها‏ والموجُ سيِّدُ من تزوَّج نفسَهُ‏ فتفتَّقَتْ أحشاؤه زبداً‏ على شرفاته الرّبَّاتُ يقذفْنَ المدى ألقاً ونشوَهْ‏ وأنا انتشارٌ في يمينكِ من رؤى عرفاتَ‏ أطوى ذروةً من بعد ذروَهْ‏ أنا كم شربتُ الخمرَ من كرمٍ ضعيفٍ‏ كي أفتّشَ فيّ عن ينبوعِ قوَّهْ‏ فدعي فيوض الوجد تغمرْ هوَّةً تُفْضي لهوَّهْ‏ ودعي سلال الياسمين تعينُ رحلتنا إذا طالت‏ سنعرفُ من جديدٍ أن ثروتنا حنينُ‏ وسنعرفُ الأربابَ دون وساطةٍ‏ لنذيعَ سكرَتنا بهمْ خَلْف الجبالِ‏ نكون عُبَّاد الجمالِ‏ لعلَّنا من سرّه الأزليِّ‏ نغترفُ المجرَّات القصيّةَ‏ حين يدغمُها مدارُ العشقِ‏ يصهرُها انسجامٌ كم تلذُّ به العيونُ‏ لنرى إذاً‏ ماذا يكونُ...‏ ________ 23/3/2000‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    5111 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • لهب يسجد لعينيها