• الوحشةَ أقول لكنَّ

    أين انقذفتُ؟‏ بأيّ وادٍ همتُ؟‏ مفتاحُ الفراديس المذهَّب هل كُسِرْ؟‏ ليكون كهفاً ما أريدُ، مجوَّفاً في تلّ سفحٍ مندثرْ؟‏ صبحاً دخلتُ على هواء اللَّيلِ‏ قالتْ سيِّداتُ الماء:‏ "تمدُحنا وتسمعُ في الغروب صدى أصابعِنا"‏ وقالت من أضفْتُ لها جمال السّرِّ:‏ "رقِّصني بلا شفتيكَ‏ واجلسْ في حدائق شهوتي واحذر يديكَ‏ فلستُ تفَّاحاً لتطريز القَمَرْ"..‏ كيف انشطرتُ؟‏ بأيّ وادٍ طرتُ؟‏ أين إناءُ روحي؟‏ في الغبار شظيَّةٌ‏ وشظيّةٌ في صوتِ أغنيةٍ تلبَّدَ‏ عندما انقطَعَ الوَتَرْ‏ أأنا حصانٌ تهربُ الفلواتُ منهُ؟‏ أنا نحيبٌ لا يصادف أيَّ ناي في سَفَرْ‏ أنا لستُ غيماً في الفراغِ‏ ولستُ ينبوعاً ليعطي دونما سببٍ‏ ولا شجراً يغطِّي الحالمينَ‏ وليس بين يديه إلاَّ وحشة الأغصانِ‏ بعْد ذبولِ لؤلؤة الثَّمرْ‏ أنا لستُ عطر النّسوة المتبرّجاتْ‏ يرشفنَ من ظلِّي حليب غوايةٍ‏ وينَمْنَ بين قصائدي مستسلماتٍ راضياتْ‏ وأنا على بُعْدِ انخطافٍ من شفاهٍ خاطفاتْ‏ وعلى سفوح اللَّون لوحاتي تداعَتْ‏ هزّتْ الفرشاةُ جمرتَها‏ تداعى عالمٌ لدنٌ طريٌّ وانتحرْ‏ في أيّ وادٍ همتُ؟‏ سهمُ الحلم‏ سهمُ الحبِّ‏ سهمٌ للأساطير الجديدَهْ‏ سهمٌ يضيءُ الصَّدرَ‏ سهمٌ يلتوي في الظَّهرِ‏ سهمٌ في مخيّلة القصيدةْ‏ حتَّى "تكسَّرت السّهامُ على السِّهامِ"‏ ولم أذقْ خبزَ المنامِ على المنامِ‏ ولا حمامٌ فوق سقف الدَّارِ‏ والشَّبَكُ الكريستاليُّ لم يجلبْ طريدَهْ‏ في أيّ وادٍ همتُ؟‏ يا غزلانَ أجدادي وأحفادي‏ جفلتُ كأنَّني ظبيٌ يطارَدُ عبر صحراءِ الجياعِ‏ وأنا الجميلُ...‏ لأنَّني عارٍ، وما وجهي قناعي‏ أأنا الجميلُ أم الجمالُ؟‏ أنا عناقيدُ المعذارى؟‏ أم مساءَلَةُ الحيارى عن كرومٍ تستوي‏ في رحلة الإيقاعِ‏ يا وهمَ العنَبْ‏ والياسمينِ المحتَجَبْ‏ مَن كان يسمعُ فيَّ صوتَ بنفسجٍ‏ حتَّى طفحتُ بكلّ طاقاتِ الكآبَهْ‏ مَنْ شَلَّ نهر قرنفلٍ يجري طليقاً‏ في الكتابَهْ‏ قيلَ القصيدةُ وحدها تحلو‏ لتغري لابساتِ الحقلِ بالعُرْيِ المقدَّسِ‏ في ينابيع الخليقَهْ‏ قيلَ القصيدةُ وحدها بنتُ الحقيقَهْ‏ لكنَّني أمٌّ لعائلةِ القصائدِ‏ كلُّها منفيَّةٌ عن ذاتها‏ عزلاءَ من كلِّ القوى الزَّرقاءِ‏ تسبحُ في ضباب الفُلْكِ مجهضةً‏ تلمُّ بقيّةً خضراءَ من أعراسِها‏ وتظلّ تسألُ: ما إلهتُها؟ وجنَّةُ ناسها؟‏ أمّ القصائدِ وحدها أثرٌ تنقّبُ عنه عينُ الحلم‏ تطويه يدُ القلق الَّتي تبني عليهِ‏ جرَّةً جوفاءَ...‏ أمٌّ لا ترى أبناءَها الآتينَ إلاَّ مارقينَ‏ يهشّمونَ على يديها نفسَها‏ ويهرّبون العُمر من حرَّاسها‏ أمّ القصائدِ منتهى عطشِ الوجودِ‏ ومَنْ على أنفاسِها‏ قَدَحُ البحار بخيلةٌ بطباقها وجناسِها‏ أمٌّ وكانَتْ سهلَ أشجارٍ كِرامٍ‏ إِنَّما دبَّ الجفافُ على ندى أغراسِها...‏ في أيّ وادٍ همتُ؟‏ أسهَرُ في النَّهارِ وفي الظَّلامِ على منادمةِ الكواكبْ‏ حَمَلٌ وجوزاءٌ وراهبةٌ وراهبْ‏ ولهنّ منّي معجزاتٌ واهياتٌ كيْ أبشّر بينهنَّ‏ وكم رثيتُ لحالهنَّ‏ وكنتُ ?قَبْلَ مآلهنَّ-‏ أمدّ ذاتَ الشَّمس بين ذواتهنَّ‏ وكمْ سقطتُ لكي يقمنَ من الحكايةِ وردةً زرقاءَ‏ حتَّى كدتُ أنسى أنَّ لي حقّ القيامَهْ‏ فليعترفن بأنَّني كنتُ العصيَّ على مزاياهنَّ‏ والمنسيَّ في أعتابهنَّ‏ وكنتُ أُشبهُ في مخادعهنَّ أيَّ حمامةٍ بيضاءَ‏ كنتُ رشقتُ ريحاً بين أرجلهنَّ‏ كي يرحلنَ في كلّ الجهاتْ‏ فرحلْنَ دوني بعد أن صدنَ الحمامَهْ‏ وبقيتُ مجهولَ الإشارة والعلامَهْ‏ ورششتُ في أجراسهنَّ دمي بقدَّاس المطرْ‏ ذهبَ الرَّنين بهنَّ‏ صحتُ: ألا تَعْدنَ ولو عبيراً في فؤادٍ ملصقٍ‏ فوق الحجرْ؟‏ أولا تُعِدَن إليَّ أسئلتي قليلاً؟‏ جرِّبنَ داء الوحشةِ السَّوداءِ في خطواتكنَّ‏ وقلنَ لي قولاً جميلاً‏ ماذا خدشتُ سوى مرايا الخوفِ في أحداقكنَّ؟‏ غمرتُ أذرعكنَّ بالغاردينيا‏ والفلِّ والأشعارِ والأحلامِ‏ يا أشعارُ‏ يا أحلامُ‏ يا غاردينيا‏ يبس المغني كله‏ لم يَبق إلاَّ ظلُّهُ‏ فارجعنَ من أعلى الطَّريق‏ عسى الغمامُ يُظِلُّهُ‏ واذهبنَ في شتَّى المدائن والقرى‏ واتركنَ لي بعض القليلِ‏ فقد يفيضُ من الحنان أقلُّهُ...‏ ... ... ...‏ من لم أكن باباً على أسرارِها‏ فلتنسحبْ سرّاً وباباً‏ من لم أكن أسماءَها الحسنى‏ فإنّي لستُ معناها العَلِيَّ‏ ولا دلالةَ حلمها‏ ولها الكتابُ إذا أرادَتْ، إنَّما‏ أنا لستُ عنواناً، ولستُ لها كتاباً‏ من لم أكنْ فيها كما تكوينُها الضّوئيّ والطِّينيّ‏ فلتذهبْ بعيداً، ولتدع ليلي ذئابَا‏ تعوي وتنهزمُ اغترابا‏ من لم أكن خبراً ومبتدأً لها‏ لا تنتظرْ منّي جوابا‏ من لم أكن بركانَها‏ فلتَلْقَ من جسدي خرابا..‏ _________ 17/6/2000‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4404 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الوحشةَ أقول لكنَّ