• القصيدة الذئبية

    ولتخرجي من بئر ذاكرتي...‏ خذي دَلْوَ المواسمِ، والحبالَ،‏ جدائلَ الصّبَار من حلْقي‏ خذي قيثارةً صدئتْ‏ خذي لوح الشَّرائع وامضغي أفيونَهُ‏ لا تتركي وتَرَاً يخصّ غناءكِ‏ ارتحلي كبدوٍ عن خيامِ قصائدي‏ لي قهوتي وحدي‏ ولي قَلبٌ تُدَقُّ عليه أوتادُ الغروبِ‏ ولي فراغٌ لولبيٌّ أقتفي أشكالَهُ‏ وأعضّ قلبي‏ كي تسيلي من غمامته‏ وأشفي أبهري من لسعِ نحلكِ‏ والتّويجَ الشَّاعريَّ من التَّداعي خلفكِ،‏ ابتعدي كأنَّك لم تكوني‏ أرجوحتي انقطعت،‏ وصَارَ بوسعك التَّحليقُ دوني‏ لكن... أعيدي جنّةً نُهبَتْ‏ أعيدي البرقَ نحو غريزةِ الأمطارِ‏ كيف ستُرجعينَ الوقت بعد فساد خمرتهِ‏ وكيف ستقطعين الرّيحَ أصنافاً‏ وقلعتُكِ المريضَةُ لم تعانق شمس تمّوز الخصيب‏ هاأنتِ عاقرةٌ، ولو أنجبتِ أطفالاً،‏ وفارغةٌ، ولو حُمِّلْتِ أسفاراً،‏ وضيّقَةٌ، فلا تتدخَّلي بفضاءِ هذا الأفْقِ،‏ تمثالٌ من القصبِ المجوَّفِ‏ لا يُضاءُ ولو تلوتُ عليهِ كلَّ حرائقي،‏ ويظنُّ هذا الصَّمتَ في أطرافه‏ يكفي لشكٍّ أو يقينِ‏ أحسبتِ أنْ لنْ يقدرَ المزمارُ أن يعوي‏ كذئبٍ في ضريحِ قصائدي؟‏ كم مرَّ سيفُكِ فوق أشجاري‏ وكم أذَّنتِ في جنَّاز فردوسي،‏ وشيَّعتِ القبائلَ نحو عزلتها،‏ وأطفأتِ الألوهةَ في عيوني‏ كم كنتِ خلف الثَّلج راكعةً،‏ مع الأخشابِ راقصةً،‏ وكانت كلُّ أحصنتي‏ تشجّ رؤوسها بسياج ميدانِ الجنونِ...‏ ثقُلَتْ موازينُ المغنيّ يا امرأَةْ‏ أعطيتُ لاسمِكِ فوق غايته‏ أدرتُ له الزَّوارق من حطامي‏ ورشوتُ آلهة العواصف لا تهبُّ عليه‏ قلتُ لحارس الأمواج باركْهُ‏ جعلتُ الصَّولجان له‏ ليخطرَ كالأمير على الأسامي‏ ونسيتِ اسمي فوق فخَّار تصدَّع‏ هل يطيبُ لك التّفرّد بالجمالِ؟‏ ومن ترجَّل عن كواكبه‏ يقبِّل تحت خطوتِك التُّرابا؟‏ من شقَّ نهرَ الفجر بين يديكِ‏ شاءَ لك الحضورَ‏ ولمَّ عن يدك الغيابَا؟‏ لا... لستِ نورانيّةً‏ لست الفراشةَ في براءة موتها‏ سبيلُ من نهديكِ كوزٌ من عَسَلْ‏ لكن، سيجتمعُ الذّباب عليهِ‏ والزوج-البطَلْ‏ سيشعّ في فخذيكِ ليلٌ‏ يسبَحُ الخفَّاش فيه‏ وأنتِ مقبرةُ الحواسْ‏ وتقرقعين كأنَّ جسمكِ من نحاسْ‏ كوني سدى‏ كوني سدى‏ أيقظتِ فيَّ الذِّئبَ‏ فانخدشي غدا‏ ما كنتِ إلاَّ ذئبةً جوَّالةً حول القصائدِ‏ ترضعين جحيمها‏ وترَيْن أنَّ الموت فيها لعبةً لغويّةٌ‏ والحبّ مروحةُ النَّدى‏ حتَّى دمار النَّفس باتَ مسلّياً‏ حتّى السّوادُ بدا كأنَّ حمامةً فيه،‏ وكان الشّعرُ حفَّاراً لقبري، فافرحي‏ أو قهقهي وسط الجنازَهْ‏ من حقِّكِ الآن الرّجوع إلى الحقيقةِ‏ والمغنيّ، آه ما أغبى مجازَهْ‏ الآن... عُدّي ما قطفتِ من النّجومِ،‏ تجوَّلي بين الحدائقِ‏ واقفزي فوق المقاعدِ‏ أَحْضري كلَّ الفصولِ لخدمةِ الجسد البليدْ‏ وقفي على تلاَّت ذاتكِ‏ وابدئي سَرْدَ الحكاية للعبيدْ‏ قولي لهم (كان يا ما كانَ) مقامرٌ بوجودِهِ‏ حَرَثَ البحارَ وباع للقرصان زورقَهُ‏ تأخَّر في اكتشاف البحرِ‏ لم يسمَعْ إلى أضداده‏ إلا وربَّاتُ العواصفِ أوقَعَتْ في قلبِهِ‏ هلعَ الرّعودْ‏ فانشقَّ في أعماقهِ صَدعٌ رمى فيه بقاياهُ‏ وفاضَتْ فيه خيبتُه وقد لعنَ الوجودْ‏ لعن المنارةَ والشّواطئْ‏ لعن السّؤال عن الّلآلئْ‏ لعن النَّوارس والشّراعْ‏ لعن الضَّياعْ/ لعن الضَّياعْ‏ كوني ضياعك، واسكني أقصى محارَهْ‏ يا من قطعتِ شِباكَ ربَّانٍ بقَرْشٍ مفترسْ‏ لم تبلغي سرَّ الخريف.‏ ولا لمسْتِ الكنز في عمق المغارَهْ‏ حتَّى يئستُ، وكنتُ سيّدَ من يئسْ‏ واليأسُ هدّامٌ،‏ يقشّر عنكِ أقنعة الطَّهارَهْ‏ ويرجّ برجَ الذَّات في علَيانِهِ‏ حتَّى يفَّر البحرُ من شطآنهِ‏ واليأس يولد يائساً‏ ويجيءُ ممَّا ليس منتظَراً‏ من الصَّلوات خلف إمامِكِ الوهميِّ‏ من قُبَلٍ مشوَّهةٍ على شفةِ الحجارَهْ‏ اليأسُ يغمرُ كلَّ ما تلدُ الحضارَهْ‏ واليأس يغزلُ للهواء فضيحةً‏ واليأس ينحَرُ للنَّشيد ذبيحةً‏ حتَّى تليق به الزِّيارَهْ...‏ كوني هيَولى ذاتِك العمياءِ،‏ ولتذبَحْ يداكِ بصيرتي الخضراءَ فيكِ،‏ وزِّيفي عينيك،‏ واتَّخذي إلى وثنٍ سبيلا‏ ما كنتِ أجمل من مزاميري،‏ فكيف رأيتُ فيكِ المستحيلا؟‏ ما كنتِ أوَّل كبوةٍ لحصان أحلامي،‏ ولكنْ كيف قاومتُ الصَّهيلا؟‏ هل قلتُ أنتِ بدايتي؟‏ أنا لن أقولا...‏ ... ... ...‏ النَّمل يزحف من يديكِ، وأنت نائمةٌ...‏ (سليمانُ الحكيمُ) أضاعَ سحر الأبجديَّهْ‏ الرّيح خانتْهُ‏ ومَنْ في قلبه علْمُ الكتابِ‏ نفاه خارج قصرهِ‏ لم تأت (بلقيسٌ)‏ وما كشفَتْ لها ساقاً‏ وما اكتملَتْ خرافتها‏ وكان (الهدهدُ) الملعونُ‏ يمكثُ خلف أطياف الحكايةِ،‏ لم يقلْ شيئاً، ولم يجلبْ هديَّهْ‏ عرشُ الحكاية لعبةٌ‏ والصَّرح هشٌّ...‏ أيُّها الجنّيّ أوقدْ بعد نصف اللَّيل قلبي‏ واطرد الزّوّارَ عن هذا المقامْ‏ ضَعْ صرختي فوق البساطِ‏ ودُرْ بها حول القبور الخاويَهْ‏ علَّ الَّتي سميَّتها جنّيَّتي تصحو،‏ وتنقذُ ما تبقَّى من نبيذ الخابيَةْ‏ أو:‏ يفَتَحُ‏ الشَّيطانُ‏ بابَ الهاويَهْ...‏ ________ 25/6/2000‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4799 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • القصيدة الذئبية