• يدي على آنية السراب

    جسدي كآخرِ قلعةٍ سقَطَتْ، تداعى.‏ جسدٌ هزيلٌ، أم قليلٌ؟‏ أم على آفاقِه طيران من عينيكِ؟‏ أم هذا الرّحيلُ هويّةُ الباقي؟‏ لماذا تتركين الكأسَ‏ عند سقوطها من كفّ شاربها؟‏ أتخلو من بخورِ يديكِ مجمرتي؟‏ ولي في كلّ مرآةٍ رأيتِ: بنفسجٌ أو نرجسٌ...‏ وبكِ افتتحتُ سحابتين لكلّ فصلٍ،‏ واستعدتُ بروقَ أحوالِ الكتابةِ‏ في ذُرى آذارها.‏ وملأتُ فيكِ سلالَ جنّاتٍ بلذّاتٍ مشرَّدةٍ،‏ أكادُ الآن أصرخُ في سراديب الرَّمادِ:‏ أريدُكِ الأنثى الأخيرةَ،‏ ثمّ أُردفُ: ليس من أنثى أخيرةْ...‏ وأنا وحيدُكِ يا وحيدَةْ‏ هل جئتِ من ضلع القصيدةْ؟‏ هل كنتِ دون خرائبي الثَّكلى أباً،‏ أم كنتِ أمَّا؟‏ سمَّيتكِ الأسماءَ قاطبةً، وعدتُ بلا مسمَّى‏ فلتتركي بعض المناديل المثيرة في يدي‏ وانسَيْ قليلاً من دموعكِ داخلي‏ كنَّا هنا...‏ ويطيبُ أن نتقاسمَ الفجرَ الصَّغيرَ‏ وأن نُعِدَّ لهُ مكاناً بيننا...‏ ونقود للّيلِ الفقيرِ غناءَنا‏ ما كادَ يكتملُ القمرْ‏ حتَّى انتبهنا لاكتمالِ اللَّيل حول خرابِنا...‏ الحزنُ مُلْكُ يميننا‏ والشّعر... لا أعجوبةٌ... حتَّى ولا أنشودةٌ‏ هو بابنا نحو النّهايةْ‏ كم كان يسمح للنَّدى أن ينحني في فُلِّنا‏ كم كان أجمَلَ من إضافتِنا إليهِ‏ لمَ استَرَقْنَاهُ، ولمَّا ضاء في محرابِنا‏ قلنا له: اجلسْ هنا فوق الرّصيفْ‏ سيمرُّ في غدٍ القطارُ، ولا قطارْ؟‏ هل ضاعَ منَّا؟‏ إنّه الطّفلُ الَّذي لا ينتمي أبواهُ للأزهارِ...‏ بل يتخاصمانِ على ظلالهما‏ ويبقى منهما صوتٌ يعلّقه الإطارُ‏ على الجدارْ‏ كم كنتِ آثمةً بحقّ النّور في أحداقهِ‏ هو يشتهيكِ‏ لأنَّك الجسدُ المشرَّدُ في قناديل الإلهْ.‏ ويريدكِ امرأةً تعدُّ له العشاءَ على بساط الرّيحِ...‏ روحُكِ كالصَّدى في البئرِ...‏ كم أدليتُ دلوي‏ قلتُ أرفعُها وآخذُها خليلا‏ فوجئتُ أنَّك تغرقينَ‏ وأنَّ خيلكِ لم يعدْ يجدُ الصَّهيلا‏ قُولي... لمنْ كانَتْ يداكِ تلوّحان كنجمتينِ؟‏ وكلّما دنتِ القصيدةُ منكِ،‏ ترتدّين ضوءاً خلَّبيّاً؟‏ ماذا يقدّمُ للمسافرِ مَنْ يراودُهُ بآنيةِ السَّرابْ؟‏ شكراً لومضِ سرابكِ احترقَتْ به شفتايَ،‏ شكراً... غابتي خَذَلَتْ بلابلَها،‏ وأقفاصُ الحَجَرْ‏ صادَتْ أناشيدي...‏ سأمضي نحو آخر جرّةٍ مكسورةٍ‏ لأسيلَ بين فُتاتِها وتراً وترْ‏ لا أرض تحتي...‏ والسّماءُ قليلةُ المعنى،‏ وأنتِ مدينةٌ تعبتْ من الأبوابِ...‏ تطردُ زائريها‏ وتعاقبُ الشّعراءَ إنْ صلّوا على عتباتِها‏ أو قدَّسوها‏ لا أرض تحملُني جميعي‏ وأكادُ أبصرُ في نخاعي لوثةً‏ تودي بموسيقى دمي.‏ أو أسمعُ الثَّلجَ المفاجئ ينتقي‏ أبهى أواني الوردِ في أسطورتي...‏ بكتِ الحروفُ على زخارفها‏ بكى الشّبّاكُ حين رميتِ منه رسائلاً‏ لم تكتبيها‏ وبكى على أضلاعهِ بابٌ كسيحٌ‏ كم مشيتُ له بمفتاحِ الدّموعِ‏ وسجدتُ قربكِ غارقاً في جَهْل ما أَعْني،‏ وأدعو أن يوزّعكِ الخريفُ على ربيعي‏ وغفلتِ عن رغباتِنا الخضراءِ...‏ لكنّي قرأتُ جحيمكِ العُذْريَّ‏ منصهراً كسيلٍ من ذَهَبْ‏ لا تطفئي هذا الشّعاعَ،‏ هنا مكانُ الله حين يزوّجُ الأنهارَ للفقراءِ،‏ هذا مدخلُ الفردوس،‏ تتّكئ الكؤوسُ على أباريق العنَبْ‏ ويكون مشهَدُ مريَماتْ‏ يمزجنَ عطر النّور في شبقِ الحياةْ...‏ ... ... ...‏ الرّيحُ قادَتْنا بعيداً...‏ سوف أرجعُ خاسراً كلَّ المراكبِ‏ خاسئاً متصدّعاً من وحشتي‏ ستزورني الأشباحُ عاريةً،‏ ويجلدُها الصَّقيعُ فتدفُقُ النّيران من أجراسها‏ وأنا مع الأشباح أرقصُ تحت قنطرةٍ مهدَّمةٍ‏ يميل معي ظلامٌ قربَهُ سكِرَ الظَّلامْ‏ وأراكِ أبعدَ ما يكونُ...‏ كأنَّك الحرفُ الجديدُ من اللّغةْ‏ أهذي به، أهذي...‏ فقد نفِذَ الكلامْ...‏ _________ 17/2/2001‏

    الكاتب: علاء الدين عبد المولى

    0المفضلة

    4537 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علاء الدين عبد المولى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • يدي على آنية السراب