• مُكَابَدات أَفريقيّه..

    بَحَّار..‏ بَحَّارٌ هَرِمٌ،‏ مُنْذُ عُصورٍ يَرْحَلُ،‏ وهو يُفَتِّشُ عَنْ لُؤْلُؤَةٍ،‏ تَتَخَلَّقُ في أَرضٍ واعِدَةٍ مَوْعُودَه..‏ قالَ:‏ خُذوا الحِكْمَةَ عَنِّي،‏ إِنَّ الإبْحارَ،‏ هو اللؤْلُؤَةُ المَفْقُودَه..‏ ‏ ورائي.. ورائي‏ رِيشٌ يَتَسَاقَطُ،‏ فوقَ الأَحْرَاشِ،‏ دمٌ يَقْطُرُ مِنْ غُصْنٍ،‏ طَبْلٌ مَثْقُوبٌ يَتَدَحْرَجُ‏ قالَ كَنَارٌ مَذعُورٌ،‏ وهو يُودِّعُ غابَتَهُ:‏ -مَنْ قَطَعَ الكَفَّ المشدودَةَ للطبلِ،‏ وَمَنْ ذَبَحَ البُلبُلَ،‏ في الوَكْرِ الآمِنِ،‏ والقِرْدَ المَرِحَ،‏ المُتَدَلّيَ مِنْ فَوقِ شُجَيرَةِ بَابَايْ؟..‏ حنجرةٌ في صُندوقٍ،‏ رَأْسٌ يَصرخُ في بئرٍ مهجور‏ -مَنْ دَقَّ المِسْمَارَ بحنجرتي‏ مَن حَفَرَ البئرَ لرأسي؟‏ قالَ القاَدِمُ للغابةِ،‏ وهو يَرَى،‏ ما ليسَ يراهُ سِوَاه...‏ -أَيْنَ تَحطُّ،‏ فَثَمَّةَ صَيَّادٌ يَتَرَبَّصُ،‏ عُدْ لِجمُوعِ الطير،‏ وحَاوِلْ أَنْ تُوقِعَ بالصيَّاد،‏ يقولُ كَنَارِ،‏ عادَ، ليَبْنِي عُشَّاً آخر..‏ ويقولُ القادِمُ للغابةِ:‏ -لَسْتُ بِآخر مَنْ يَحْتجُّ،‏ وللأَدْغَالِ طَريقٌ آخر،‏ يَقْتَنِصُ الصَيَّادِينَ،‏ ويومٌ، فيهِ يُضيءُ الدَّم‏ لكنْ...‏ ما هذا النَّاطُورُ الوَقِحُ،‏ الراكِضُ خَلْفِي،‏ مِنْ عَصْرِ الصحراء،‏ إلى عَصْرِ الغابةِ،‏ والبحر؟؟..‏ ‏ صورة..‏ بيتٌ عِنْدَ البحرِ،‏ تُظَلِّلُهُ سَبْعُ شُجَيْرَاتْ..‏ فيهِ سَبْعُ عَذارى،‏ يَحْمِلْنَ أَبارِيقَ الخَمْرَةِ والعِطْرِ،‏ وَيَرْقَبْنَ خَطىً تخفقُ،‏ حيثُ العُشْبُ،‏ يُعَرِّشُ فَوْقَ العَتَبَاتْ..‏ لَوْ أَنَّ فَتىً مثلَكَ،‏ مِنْ خَلْفِ البحرِ أَتَى‏ وَرَأَى سَبْعَةَ أَكْوَابٍ تَسْقِيهِ،‏ وَسَبْعةَ أبوابٍ تُؤْويهِ،‏ أَيَدْخُلُ،‏ أَمْ يَقْعُدُ في الظِلِّ،‏ وَيَتْلُو الصَّلَوَاتْ؟!‏ ‏ خطوة أخرى..‏ بينَ اليَقْظَةِ والنوم،‏ تَرَاءى لِي،‏ أَني أتبَعُ نجماً مجهولاً،‏ وَأَتاني صوتٌ،‏ قالَ:‏ "اطَلَعْ مِنْ هَذا الوادِي‏ أَوَ لَمْ تَكُنِ الأَرضُ بواسِعَةٍ،‏ فتهاجر فيها؟"...‏ وَبِطَرْفَةِ عَيْنٍ،‏ أَبْصَرْتُ الأَشياءَ أَمَامي،‏ تُمْسَخُ رَمْلاً‏ وأَنا في الرَّملِ أَغُورُ،‏ وجَمْعُ عَجَائزَ من حولي،‏ يتغامَزْنَ، وَيَضْحَكْنَ،‏ وأَبْصَرْتُ حِبَالاً، في الريحِ تطيحُ،‏ وَتَلْتَفُّ على قَدَمَيَّ،‏ سأطلعُ -قُلْتُ-‏ تَعَلَّقْتُ بأغصانٍ،‏ كانت تُورِقُ بينَ يَدَيَّ،‏ فلاَحَتْ لِي خَلْفَ الوادي،‏ أرضٌ تتلألأُ:‏ حَقْلٌ يَمْتَدُّ، وَخَلْقٌ يَنْتَشِرُونْ..‏ وبِلادٌ يَسْكُنُها أَطْفَالٌ،‏ مثل طيورٍ بيضٍ‏ تحملُ أغْصَانَ الزيتونْ..‏ قُلْتُ لنفسِي:‏ سَأَرى،‏ اِنْ كُنتُ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ أطلعُ،‏ أَيْنَ أكونْ..‏ ‏ مَلِكُ الغَاب‏ هُوَ ذا الغابُ الموعودُ،‏ فَخُذْ ذاكَ الطبلَ،‏ اقْرَعْهُ،‏ وَأَطْلِقْ صَرْخَتَكَ الوَحْشِيَّةَ،‏ قُلْ: إِني الملِكُ الضِلِّيلُ العائِدُ،‏ خُذْ تلكَ الحَسْنَاءَ السوداءَ القرويّةَ،‏ فاجِئْهَا، ‏ وارقُصْ حتى الهَذَيانْ‏ هَلْ يَتَراءَى لكَ أنكَ تركُضُ،‏ والأرضُ أمامَكَ تَنْأَى‏ أترى الطبلَ يَفرُّ،‏ الحسناءَ القرويةّ تَمْرُقُ،‏ مِنْ بينِ يَدَيْكَ؟!‏ إذَنْ،‏ خُذْ هذا الشُرْطيَّ المُتَرَبِّعَ في رَأْسِكَ،‏ واذبَحْهُ الآنْ...‏ ‏ تعال...‏ أَجْنِحَةٌ،‏ تخفقُ في أفقٍ نَاءٍ،‏ تِلْكَ بلادٌ أُخْرَى،‏ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ،‏ تعالَ نُعَانِقْها...‏ نَقْرُ درابِكَ يَنْدَاحُ هناك،‏ ويَخْفُتُ‏ تِلْكَ قُرىً ضائِعَةٌ في الغاباتِ،‏ تَعَالَ نُفَاجِئْهَا....‏ أوراقٌ تَرْكُدُ في القاعِ،‏ الليلةِ تَطْفُو‏ تِلْكَ بَقَيَّةُ ذِكرَى،‏ فتعالَ نُحاوِرْها...‏ ‏ بِدَاية‏ قُلْتُ:‏ وأَيْنَ يحلُّ غريبٌ،‏ فالغُرَباءُ أَحِبَّتُهُ،‏ وحَلَلْتُ بأرضٍ،‏ صاحبتُ بِها‏ صَبَّاغَ الأحْذِيةِ،‏ الرسَّامَ المُتَجوِّلَ،‏ بائِعَةَ الصَّدَفِ البَحْرِيْ...‏ ومَضَى يومٌ‏ بائعِةُ الصَّدفِ البحريّ،‏ رَمَتْها ضَرْبَةُ شَمْسٍ،‏ والرسَّامُ المتجوِّلُ جُنَّ،‏ وصَبّاغُ الأحذَيةِ الطيِّبُ،‏ عِنْدَ السَّاحِلِ، مَاتْ‏ ***‏ فاكتُبْ ياهذا ثانيةً،‏ في سِفْرِ الريح:‏ لماذا الخنجرُ يكبرُ،‏ والوردةُ تُسْحَقُ تَحْتَ العَجَلاتْ؟؟...‏ ‏ ليلٌ آخر...‏ الليلُ ينثُّ رَذَاذَ نُعاسٍ،‏ مَقْدِيشُو خَلَعَتْ ثَوْبَ البحرِ،‏ وَغَلَّقَتِ الحاراتِ ، ونامَتْ‏ وهناكَ بَعِيداً‏ - حيثُ السَّاحِلُ وَشْوَشَةٌ غامِضَةٌ...‏ وطيورٌ هائِمَةٌ،‏ في العُتْمَةِ والرّيح-‏ هناك بعيداً،‏ تَغْفُو فاطِمَةُ البائِعَةُ الطِفْلَةُ،‏ بينَ سِلاَلَ الخَرَزِ الشِّيح،‏ وعَبْدُ اللهِ المُتَسَوِّلُ،‏ يَلْحَسُ قِشْرَ المانجو،‏ وَيُداعِبُ قِرْدَهُ،‏ أو يرقبُ بَاخِرَةً تَرْحَلُ ، باخِرةً تُقْبِلُ،‏ عبدُ اللهِ يُحدِّثُها،‏ عن جَمْرٍ يُولَدُ في عَيْنَيهِ،‏ وعن شَجَرٍ يَتَفَتَّحُ أطفالاً،‏ وَسِلالاً، وعَنَاقيدْ...‏ وَتُحَدّثُهُ،‏ عن نبعٍ يكبرُ بينَ يَدَيْهَا،‏ عَنْ جُزُرٍ تَتَلألأُ خَلْفَ الموَج،‏ تُحَدِّثُهُ،‏ ويُحَدِّثُها،‏ والبحرُ يفيضُ،‏ بأَصْدافِ الفَرَحِ الموعُودْ...‏ ***‏ الليلُ ينثُ رذاذَ نُعاسٍ،‏ الحاناتِ البَحْرِيَّةُ،‏ تَغْرَقُ بالموسيقى والفَتَياتِ،‏ وَقَهْقَهةِ البّحَّارَةِ،‏ والسيَّاحِ الوقحين،‏ ويبقى للبحرِ صديقانْ:‏ فاطِمَةُ البائِعَةُ الطِفْلَةُ،‏ والطفلُ المُتَسوِّلُ عَبْدُ الله...‏ ‏ آياتُ الجوع...‏ اقْرَأْ‏ والأرضُ رَغيفُ،‏ يخطفُهُ لِصٌّ في ثوبِ صديقٍ،‏ والجرحُ فَضَاءْ...‏ اقْرَأْ‏ باسمِ الجوعِ المفترسِ الطافِح‏ بينَ بيوتٍ مِنْ لَحْمٍ وصفائح‏ حيثُ الموتُ المُفْزِعُ،‏ خُفَّاشٌ مُلتَصِقٌ بِشَظايا الرّوحِ،‏ وحيث الناسُ ،‏ عيونٌ زائِغَةٌ،‏ وبطونٌ تَسْعَى...‏ ***‏ والحُزْنِ، وما أعْطَى‏ والموتِ، وما أبقى،‏ والأيامِ المُثْقَلَةِ الحُبْلَى‏ لن تَجْنِي كَفٌّ ماتغرسُ،‏ حتى تَصْفَعَ أَقْفيَةَ الغُرَباءْ...‏ ‏ خذوا الحكمة من الغابه...‏ في أَرَضٍ تُدعى:‏ "جوهر"،‏ حَدَّثَنِي شيخٌ أَفْرِيقيٌّ،‏ كُنتُ قَرَأْتُ بِعَيْنَيهِ،‏ بَرِيقَ الأَزْمَانِ الحَيَّةِ،‏ قال:‏ انظُرْ كيفَ تحلُّ اللعنَهْ...‏ في يومٍ ما،‏ - يوم يُشبِهُ هذي الأيّام-‏ صَحا الناسُ على شَيْءٍ‏ يَسْرِي مثلَ وَبَاءٍ في الغابَةِ،‏ فالثعلَبُ يخطرُ في فَرْوَةِ ذِئْبٍ،‏ والنّمْرُ برأْسِ حِمَار،‏ والنسرُ بِحُنْجرةِ العصفورِ،‏ الأَسَدُ،‏ الثعبانُ،‏ القِرْدُ،‏ جميعُ الحيواناتِ... بِأشْكَالٍ أُخْرَى‏ وأَتَى يومٌ،‏ "أيضاً يُشبِهُ هذي الأيَّام"..‏ فيهِ صَحا الناسُ،‏ على لَهَبِ يتصاعَدُ في تِلْكَ الغابةِ،‏ قالَ الشيخُ الأَفْريقيُّ:‏ ومِنْ ذاكَ اليوم،‏ إلى الآن‏ أقولُ لهذا الإنسان،‏ الموغل في الغاباتِ البَشَريَّة:‏ لا تَأْخُذْ‏ إلاَّ دَوْرَكْ...‏ ‏ سُؤال...‏ وأَنا مُنْهَمِكٌ،‏ أركضُ بينَ جُموعِ النَّاسْ..‏ فاجَأني دَرويشٌ مجذوبٌ،‏ يصرخ:‏ أينَ الأُفقُ الأوسَعْ،‏ والصوتُ المعشوقُ،‏ وأَيْنَ حَريقُ اللونِ الأَسْوَد؟!...‏ ***‏ في اليوم الثاني،‏ كان الصَّمْتُ،‏ ثقيلاً يهبطُ فوقَ وجوهِ الناسِ،‏ وفي الحارَةِ ، والسُّوق‏ وكنتُ أَصيحْ:‏ أَيْنَ الدرويشُ المجذوبْ؟!‏ ‏ حكاية...‏ غَرْبِيٌّ سَائِحْ...‏ مَرَّ بمَقْدِيشُو هذا العام‏ فَأُعْجِبَ بالمَوز، وبالخُضْرَةِ، والبحرِ،‏ وَأُعْجِبَ أَكْثَرَ‏ بالشعْبِ الطَيِّبِ،‏ قال الراوي:‏ ذاتَ صباحٍ‏ تَحْتَ النُّصْبِ الثوريِّ،‏ تَوَقَّفَ ذاكَ الغربيُّ السَّائِحُ،‏ مذهولاً،‏ فَرَآهُ الناسُ يُحدِّقُ،‏ في قَبْضَةِ تمثال "دَكحْطُور"‏ ويكتبُ:‏ "هذا تذكار هزيمَةِ‏ أَسْلاَفي الوقحينْ"‏ لكِنَّ دَكَحْطُور الآخر،‏ - قال الراوي-‏ كان يُطوِّحُ مافي قَبْضَتِهِ،‏ ويَسِيرُ،‏ أَمامَ الناس، ‏ وكانَ الغَرْبيُّ السَّائِحُ،‏ يَلْتَقِطُ الصورةَ،‏ تلوَ الصوره...‏ ‏ حلم...‏ أَفْعَى تنفخُ حَولَ الشَجَرَه...‏ وَمِنَ الكوخِ الصُّوماليِّ المُتْعَبِ،‏ يَأْتِي طفلٌ،‏ يَصْرُخُ في وَجهِ الأفْعَى:‏ هذا حَقْلِي،‏ وَمِنَ العَرَقِ الأَسْوَد،‏ يطلعُ عنقودُ المَوزْ...‏ يَلْمَحُني الطِفلُ،‏ "أنا أيضاً جِئْتُ،‏ لأَصرخَ في وَجْهِ الأَفْعَى"..‏ يَتْبَعُني،‏ أتْبَعُهُ،‏ وَمَعاً، نَفْتَحُ درباً،‏ في الحقلِ الواسِعْ...‏ ‏ سَتَعُود...‏ وَغَفَا الرَّجُلُ القادِمُ،‏ وهو يُحَدِّثُ نَفْسَهْ:‏ ستعودُ غداً مِنْ أفرِيقيا‏ بِعَصَافيرَ مَلوَّنةٍ، وبِأعْوادِ بخورٍ،‏ وزجاجاتِ عُطورٍ‏ ستعودُ بأَفْيَالٍ مِنْ أَبَنُوسَ،‏ وأطواقٍ من شيحٍ،‏ وخواتمَ من عاج‏ وَتَعُودُ،‏ بِعَيْنَينِ تُضِيئَانِ،‏ وَكَفَّيْنِ تُضِيفَانِ،‏ وَقَلْبٍ مُغْتَسِلٍ بِرَحيقِ الطِّيبِ،‏ وَحُبِّ البُسَطاءْ...‏ سَتعودُ إذنْ.. ها؟!‏ نَهَضَ القادِمُ:‏ - لكنّي مازِلْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أدخلَ أفْريقيا،‏ أن أمنْحَهَا شَيئاً يبقى‏ فَلأَدْخُلْها..‏ وأُسَمِّي الأشياءْ...‏ ‏ الخروجُ من بطن الحوت..‏ وَيَشَاءُ حَنِيني للسَّفَرِ الدائمَ،‏ أَنْ أَدْخُلَ أرضَ جَزيرَةِ "قافْ"...‏ وجَزيرَةُ قاف،‏ - كما حَدَّثَنِي جَدِّي-‏ نَائِيَةٌ، تَقْبَعُ خَلْفَ حُدودِ المَعْمُوره..‏ طوَّفْتُ بها سَبْعَةَ أيّامٍ بلياليها،‏ أسْمَعُ فيها، وأرى‏ في اليوم السابع،‏ قُلْتُ:‏ لماذا لا أدخلُ مَمْلَكَةَ البَحرْ؟!..‏ ودَخَلْتُ،‏ رَأَيْتُ الموجَ يُدَحْرِجُ شَمْساً حمراء،‏ وأصدافاً هائِلَةً‏ تَتَفتَّحُ في زَبَدٍ سِحرِيٍّ منفوخ،‏ وسَمِعْتُ خيولَ العاصفةِ الشرقيَّةِ،‏ فوقَ صُخُورٍ دَكْناءَ،‏ تُحَمْحِمُ،‏ والماءُ يُغطِّي حُوريَّاتِ البَحْرْ..‏ وَهَجَسْتُ وجُوهاً،‏ تشحبُ في الأفقِ النائي،‏ وخُطىً تَتَخَبَّطُ،‏ ثم تَضِيعْ...‏ ***‏ - ماذا أُبصِرُ:‏ "قلتُ لنفسي".‏ - فَتَجَمَّعَ حَوْلِي خَلْقٌ في الأرضَ كثيرٌ:‏ "أصواتٌ تَلْتَفُّ على قَدَمَيَّ،‏ عيونُ تَلْقَفُ عَيْنَيَّ،‏ أَكَفٌ تَلْحَقُني"‏ واقْتَادوني مِنْ شَفَتَيَّ،‏ إلى البحرِ،‏ وَقالَوا:‏ عُدْ يا يُونُسُ -مِنْ حيثُ أتَيتَ-‏ إلى بطنِ الحُوت،‏ أجِئْتَ لِتَعْجَبَ،‏ أم تدخل طَقْسَ الأمواج؟!‏ ***‏ فاذْكُرْ يايونسُ،‏ قَرْيَةَ أبنائِكَ،‏ والرحلةَ في بَطْنِ الحُوت،‏ رَمَوْكَ بأَصدافٍ قاسِيَةٍ،‏ وَتَشَقَّقَ جِلْدُكَ،‏ فاتَّعِظِ اليوم،‏ وغادِرْ دَوْرَ الشَحَّاذِ السّاذَج،‏ قُلْ: إني أُدخلُ ، ولأَغْرَقْ‏ هذا ما اخترتُ،‏ وهذا عَصْرُ خُروجي...‏ واذْكُرْ يايونس،‏ كيفَ تركتَ الأَمْسَ ينوحُ وراءَك،‏ ثم تَوَزَّعْتَ،‏ وللرَّغَبَاتِ خَفَضْتَ جَنَاحَ الذكْرَى‏ فَادْخُلْ..‏ حتى يَخْضَرَّ جَبينُكَ،‏ في البحرِ،‏ وكُنْ حيثُ الأُفْقُ يكونْ...‏ ***‏ وَتَطَلَّعَ بِي شَيْخٌ،‏ في هَيْأَةِ طفلٍ،‏ قالَ: لماذا تعجب؟!‏ حَدِّقْ.. ولَسَوْفَ تَرى..‏ وَ تَلفَّتُ،‏ وكان الشاطِئُ مُحْمَراً يغلي،‏ فَرَأَيتُ رجالاً،‏ يُخْرِجُ كلُّ مِنْهُمْ سكيناً، ويُهَرْوِلُ‏ هَرْوَلْتُ،‏ فناوَلني رَجُلٌ منهم سكيناً،‏ ثم اشتبَكَتْ حَلقاتُ الرَّقص،‏ وهَمْهَمَتِ الأصواتُ المُبْهَمَةُ:‏ " استَقْفُورو... اسْتَقْفُورو"...‏ وبِلَحظاتٍ،‏ كانت كلُّ الأَيدي تَنْقَضُّ‏ على شِدْقَيْ حوتٍ وَحْشِيٍّ،‏ يَزْفَرُ في الزَّبَدِ المُحْمَرِّ،‏ " استَقْفُورو... اسْتَقْفُورو"...‏ قُلتُ:‏ الساعَةَ يَغْتَسِلُ الموجُ الهائجُ بالدّم،‏ قالوا:‏ وكذلكَ تخرجُ مِنْ بَطْنِ الحوتْ...‏ ........................‏ سَكَنَ الموجُ،‏ فَعَادَتْ حورياتُ البحر تُلَوِّحُ،‏ واخْضَرَّتْ جُزُرٌ فوقَ الماء‏ وحَطَّتْ عند الشاطِئِ،‏ شمسٌ بيضاء‏ ***‏ فاسْكُنْ يايونسُ قَلْبَ المَوْجَةِ ،‏ يخرجُ حُوتُ الغَفْلَةِ،‏ مِنْ أعْمَاقِكَ،‏ تخرُجْ مِنْ أَرْوِقَةِ القانونْ...‏ وإذا ما عُدْتِ إلى "الموصل"،‏ قَرْيَتكِ الأُولى‏ فاقْصُصْ رُؤياكَظ على الصَّحْبِ،‏ وذَكرِّهُمْ بِعَذابِ الصَّبْرِ،‏ وَقُلْ:‏ إن الذكرى خَيْرٌ مِمَّا تَصِفُونْ...‏

    الكاتب: معد الجبوري

    0المفضلة

    4289 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من معد الجبوري

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مُكَابَدات أَفريقيّه..