ما لا يعود
Dec 9, 2020 12:45 PM Dec 9, 2020 12:45 PM
بعثرتـُها . . كانت شظايا في خطايَ طفولة مجروحة ٌ يمتدُّ من أدراجها غيم ثقيلٌ ناعم القطرات فوق الصخر ِ مبتـَلاً بها . بعثرتها . . كانت خطاي أليفة ً في بئرها الأولى التي تمتدُّ حتى تدفُقَ النبعَ العميقَ تهزُّني فيها عذوبةُ أن نفيضَ و أن نطيرَ ولا نرى ظلاً لنا فوق الزوايا المائلات ِ و عبر أودية ٍ ترنُّ بها خـُطانا. . . . كُرَة من اللهب البهيج ِ يهيج في أطرافها صوت سماويٌّ يُغللِّنا بأسرار نروح لها سكارى لم يزنـِّر جِيدنا إلا الغبارُ ! متى قرأنا في دفاترها المبعثرة الجميلة ِ ما يخطُّ الغيبُ ؟ . . غادرْنا قرانا . . . . مدنٌ مهيَّأة بكل الحزن ِ تستلقي على عتباتنا الأولى تشمُّ ترابنا المخفيَّ تذرونا على طرقاتها و تلمُّنا حيناً . . و تعركنا. . و لكن . . لا ترانا. . . . خطَّ الدم المهدور في صفحاتنا جيلاً و أخفى في سراديب النهار ِ المعتمِ الدمويِّ أشلاءً عبرنا جسرها عُمياً إلى عتبات هذا التيه ِ كم دربٍ مشيناها! و كم سفنٍ لنا تاهتْ ! و أطلقنا صواريها إلى بحر من الظلمات ِ تأخذنا شواطئه ُ و تلقينا على جمراتها عسسٌ أنيقون استفاقوا فجأة ً و بنوا لنا جزراً من الأوهام ِ. . أبنية من الإسمنت ِ تصبغها دمانا . . . قرؤوا علينا ما تيسَّرَ من كتاب النار و الطاغوت ِ و اقتسموا بقايا الحلم ِ . . و انداحوا كطوفان من الهالوك ِ ينهش في بقايانا . . و سَلُّوا صارماً و تلوا أباطيلاً و قلنا تكذبون لهم و صدَّقهم سوانا. . . . رُبَّانا أعمى أدار الدفّّة العمياءَ في هوج العواصف ِ و اصطففنا خلفه ُ متلفِّعين بنجمة غابتْ و لم تكُ للسفين سوى الغواية ِ . . حتفها المجهولُ تمشي نحوه سكرى نقطِّر شوقنا مطراً و نعصر غيمنا وهماً و نهمي فوق أطلال ٍ خرائبها شواهقُ بومها في الصبح ينشد ُ أغنيات من نُثار الملح فوق الجرح ِ تذروها رياحٌ ثمَّة الليلُ البهيم يهيم ُ تتبعه الخرائب ُ منتشين بظلمة ٍ تمتدُّ في الكلمات ِ ! . . تعجنها على مَهَل ٍ فتلمع في أسانا . . . في لحظة ما قد نعودُ مكلَّلين بتاجنا الشوكيِّ ننفض عند أعتاب الطفولة ِ ما تبقَّى من غبار الرحلة الشوهاءِ . . نبكي خيمة أوتادُها الأضلاع ُ . . أحجاراً سرقنا نارها. . رفقاءَنا الغابوا . . الزوايا . . الأمسيات ِ . . خزائنَ الجدَّات ِ . . بيدرنا البعيدَ . . البركة َ. . الناطور َ. . أطفالاً هنا لم يكبروا الكرمَ الذي لم يبقَ كرماً نطرق البابَ الذي في البال ِ ظلَّ مُوارَباً و بمثل ما كنا هنا بالأمس ِ ندخله ُ فيفجؤنا هدوء شاملٌ ما لا يعودُ . . يعودُ في البيت الذي كنَّاهُ نخفي وحشة ً . . إذ نستريح ُ لأننا نبكي طلولَ الدار ِ . . نسألها . . و لا أحدٌ يرانا! .


الكاتب: بيان الصفدي
0المفضلة
12945 المشاهدات
0 تعليقات