• شرفات ليلى

    باب و نافذة بابٌ و نافِذةٌ و كلُّ الأرضِ دونهما مَنَافِ و الروحُ حولهما حمامٌ لا يريدُ منَ الطوافِ سِوى الطوافِ و ضِحكةِ امرأةٍ تذُرُّ الدفءَ في القلبِ الفقيرِ و للعصافيرِ الشريدةِ في دمي قمحَ الكفافِ بابٌ و نافذةٌ أمامهما أنا مدٌّ و جزرٌ ثمَّ مدٌّ ثمَّ جزرٌ ثمَّ يصعدُ في دمي زَبَدُ القوافي * * * * شرفة الانتظار كنتُ انتظرتُكِ في المساءِ كأيِّ بحَّارٍ عتيقٍ شاخصٍ في البحرِ يصطادُ الأغاني و الزجاجاتِ التي تطفو على زبدِ الشواطئِ علَّها حمَلَتْ بريداً ، و انتظرتُكِ ... مثلَ ( شحَّاذٍ ) على ( الكورنيشِ ) يستجدي التحيَّةَ و السجائِرَ ، و انتظرتُكِ ... لم أقُلْ إنَّي مَلَلْتُ ، و لم أفكِّرْ في اعتذاركِ ، قلتُ تكفيني التحيَّةُ ، بل سيكفيني عبورُكِ مثلَ غيمِ الصيفِ في حلمي انتظرتُكِ ... لم يكُنْ يوماً طويلاً أو قصيراً ، غيرَ أنَّ الوقتَ غادرني على مَهَلٍ على مَهَلٍ فنمتُ كأيِّ مقهىً في المساءِ يوَدِّعُ العشَّاقَ ثمَّ يَغُطُّ في أحزانهِ كنتُ انتظرتُكِ ... قلتُ أختَبِرُ القصيدةَ بانتظارِكِ ، قدْ يساعدني شرودي في اختصارِ الوقتِ / لكنّي انتَبَهتُ إلى ارتباكِ الحرفِ في لغتي ، انتبَهتُ إلى المكانِ يوَدِّعُ العشاقَ ، و انتبهَ المكانُ إلى غيابكِ .... و انتظرتُكِ ... لم أقُلْ إنَّي مَلَلْتُ ، و لم أفكِّرْ في اعتذاركِ ، و انتظرتُكِ ... و انتظرتُكِ ... و انتظرتُك ... * * * * شرفة كانون في الليلِ ، - في الركنِ القصيِّ منَ التأمُّلِ - أرقبُ الأيامَ عن بعدٍ و أحصي ما تبعثرَ من رفاقي في بلادِ اللهِ أذكرهم و أنصتُ لانهمارِ العمرِ في كانونَ كالثلجِ الحزينِ يُشيِّعُ العامَ العجوزَ ، و يحتفي - مثلي - بزهرٍ يابسٍ بينَ الرسائلِ كانَ يحملهُ السُعَاةُ من الشمالِ ، و كنتُ أنكِرُ آنَ ذاكَ بأنَّ لي جهةً تشدُّ القلبَ ، لكنَّ الحنينَ وِشايةٌ كالعطرِ تفضحُ لفتَةَ الروحِ الخجولةَ كلَّما ذُكِرَ الشمالُ و مالَ بي القلبُ الجموحُ ( كزهرةِ العبَّادِ ) نحوَ نوافذٍ أكلتْ ملامحَها الطحالبُ / أذرُعُ ( اللبلابِ ) و الصدأُ العنيدُ ... كأيِّ طفلٍ أحتفي بالثلجِ في كانونَ ، أنتظرُ الصباحَ لأرشُقَ الشرفاتِ و القِططَ الكسولةَ قربَ بابكِ - بابكِ المنسيِّ - أرمقهُ و أصغي لانهمارِ الثلجِ في روحي الغريبةِ : ربَّما ابتعدتْ نوافِذنا كثيراً / أو ملامحُنا قليلاً عن طفولتها و لكنْ لم يزلْ كانونُ طفلاً مثلَ عادتهِ يجيدُ الثلجَ / يرشقنا فتصحو في قساوتنا الطفولةُ / لم يزلْ ... و أنا كطفلٍ لم أزلْ أهوى التسكُّعَ ... أينما اتجهتْ خُطايَ تُظِلُّني شُرُفاتُ بيتكِ و الجهاتُ الخمسُ تتبعني كظلّي :  في الجنوبِ الأصدقاءُ الخائنونَ يُلَفِّقونَ وشايةً عنا /  الشمالُ بريدكِ السريُّ يهطلُ في المساءِ من النوافِذِ /  لا أحبُّ الشرقَ ؛ يَحجبكِ الصباحُ كنجمةٍ /  غربٌ لأفتَتِحَ القصيدةَ في هبوبِ الذكرياتِ /  و قِبلةٌ للحزنِ أنتِ * * * * شرفة الناي أنا لا أحبُّ النايَ يَكسِرني كصوتكِ . سروةُ الليلِ العجوزُ تَسدُّ نافِذةً بقلبي ثمَّ ينقرها الحمامُ -حمامُ صوتكِ - لا أحبُّ النايَ نافذةٌ فقطْ تكفي لينتشرَ الصباحُ على رسائلنا فتصحو ، لم نكُنْ غرباءَ جدَّاً .. إنَّما للحبِّ منفاهُ الجميلُ و مهنةُ الناياتِ أدمعنا أحبُّكِ ، كم أحبُّ النايَ / صوتَكِ من شقوقِ الليلِ يأتي ثمَّ يُشرِعُ في جِدارِ الحلمِ نافذةً على أعشابهِا ريحُ الأصابعِ حينَ تنقرُ باتِّئادٍ قمحَ موعِدنا الشحيح ... * * * *

    الكاتب: حسن إبراهيم الحسن

    0المفضلة

    25132 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من حسن إبراهيم الحسن

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • شرفات ليلى