• يتقاطرونَ

    يتقاطرونَ (ألعابٌ لُغويةٌ كيْ لا تشيخَ الذَّاكرةُ) تنويه: (بدأتُ -منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي- بكتابة هذا النص المطوَّل، والذي يحكي جانبًا من حياتي وذاكرتي في العراق وليبيا والسويد... لكنه اكتمل على شكله النهائي ونُشر لأول مرة نهاية العام 2004). (الذَّرءُ) أُكْسُ اشتباهَ الغِرِّ بالتَّبليغِ، أيِّدْ شَهقةَ التَّكوينِ، ناوشْ هيضلَ النَّائينَ | نَسْيَ الدَّارِ | ساريةَ الدُّجى، عزِّزْ طواسينَ القَصيدِ بِهيبةِ الإنشادِ، باركْ صوتَهُ -المفتولَ في رجْعِ الصَّدى- كيْ لا تشيخَ الذَّاكرةْ... أبتاهُ ناولْهُ العَصا! (الوضْعُ) يتقاطرونَ... نِكايةٌ حُشرتْ بأمزجةِ العِنادِ، بعمقِ عمقي ينبُشونَ، جميعُهم عاثُوا بغفو الشَّوقِ، جَالوا، كلُّهم يتقاطرونَ. I يتقاطرونَ... سُلافةُ الأصحابِ، شطرُ الكرخِ، بغدادُ اللَّيالي المُقمراتِ، عباءةٌ عذراءُ لاكتْها الفجيعةُ، شهوةُ المَقهى لمضغِ التَّبغِ والأعراضِ والأوقاتِ، دُخَّانُ السَّجائرِ يهتِكُ الألوانَ... ينتحلُ الطِّلاءَ، شقيَّةٌ تبكي وسادتَها اليبابَ، جديلةٌ ثكلى سلاها المُشطُ والتَّخضيبُ، خطوُ الزَّائغاتِ | الدَّاهساتِ براءةَ الإسفلتِ، جسرٌ | حَيرةُ العَرباتِ | أوهامُ المُشاةِ، فطائرُ الفرَّان كالأقواسِ في صدرِ المساجدِ، باعةٌ يتجوَّلونَ كسِيرةِ المَفضوحِ، طلاَّبٌ | صعاليكُ الدُّروبِ –وكنت منهم- طالباتٌ... عائداتٌ مِن مُخاتلةِ المَدارسِ، سطوةُ (النِّيليِّ) [1] تَطغى فوقَ أجسادِ تفورُ، كتائبُ الطَّاغينَ جاستْ كلَّ دارٍ، دجلةٌ يسعى، يَجوبُ الأرضَ، يلتهِمُ الزَّوارقَ والسُّكارى والمَجاري... واشتعالاتِ المُراهقِ! II يتقاطرونَ... القاطعونَ مفاوزَ التَّيَهانِ، –أربكهُمْ فحيحُ الرَّملِ- مِئذنةٌ | شوارعُ | مطعمٌ | سوقٌ | كنائسُ، أمَّهاتٌ صابراتٌ كالنَّخيلِ يَسفُّ أغبرةَ المقابرِ مُرغمًا، ذكرُ الدَّراويشِ، انكفاءةُ صوتِ مُنشدِهمْ، مقاماتٌ، تكايا، نكتةٌ جفَّتْ على ثَغرِ الرَّجاءِ، النَّائمونَ على رصيفِ النَّائباتِ، الخاتِنونَ ذؤابةَ المِشكاةِ، قالوا: لمْ يعُدْ للضَّوءِ متَّسعٌ بهذي الأرضِ! عتَّالونَ بالمجَّانِ للبَلوى العصيَّةِ، والتُّقاةُ؛ الشَّاهرونَ اللهَ في دارٍ يسوِّرها (سُوَاعُ)، السَّائلونَ: بأيِّ ذنبٍ نُستباحُ، المُسرفونَ الرَّبُّ يُهلِكُهمْ؛ -فما هَلكوا ولكنَّا هلكْنا- السَّاهرونَ على أثيرِ مكالماتٍ قد تُؤدِّي للفِراشِ، النَّاسِخُونَ قصائدَ المَحظورِ في (سُوقِ السَّرايِّ) [2]، الخادعونَ صِغارَهم: (لا تحزنوا، وتَهيؤوا لمَجيءِ سيِّدِنا المَسيحِ!)، الخادعونَ كِبارَهم: (لا تقنَطوا، عدلُ الإمامِ سيملأُ الدُّنيا حُبُورْ!). III يتقاطرونَ... مقاتلُ الثُّوَّارِ في (شَعبانَ) [3]، أنَّاتُ المآتمِ، رايةٌ سَوداءُ: (أدركْنا علي الهادي!) [4]، تسامتْ فوقَ سطحِ (الهورِ) أيَّامًا، ولمْ يحضرْ (علي الهادي)... سِوى أنَّ المَدافعَ قد أتَتْ! (أربيلُ)[5] تنهشُها الضِّباعُ، إزارُها الخاطتْهُ كفُّ الشَّمسِ مَرهونٌ لأحذيةِ الجُنُودِ. سماؤنا فُتِقتْ، وسالَ الكحلُ، واعتلَّ المَدى. (شَعبانُ) صيَّرَنا: خريفًا للمَهاوي | بحَّةً | جُرحًا | نَخيلاً جاثيًا سَجدتْ نواصيهِ اتَّقاءَ غريزةِ الحطَّابِ | أمواتًا نُعيلُ الرَّملَ في (وادي السَّلامِ) [6] | تمائمَ انسربتْ مِن الشِّريانِ | أشباحًا بلا ظلٍّ يُداسُ ولا يدوسُ | ضراعةً تاهتْ لأنَّ اللهَ لمْ يحفلْ بأدواءِ العِراقِ | منارةً سُبيتْ وحانتْ ساعةٌ: (عَبستْ وجُوهُ القَومِ خوفَ المَوتِ) [7] والعبَّاسُ لمْ يضحكِ ولمْ يتبسَّمِ | همًّا لنا في ضفَّتيهِ زفيرُ غُربتِنا العَتيَّةِ، والشَّهيقْ... (شَعبان) صيَّرنا رُفاتْ! IV يتقاطرونَ... الفاسقونَ السُّمَّ في عَذبِ الفُراتِ، اللاَّهجونَ بكرْمةِ التَّأميلِ، -ما نالوا المُرادَ - العائدونَ مِن الحُروبِ بنصفِ أطرافٍ وثَقبٍ في المَصيرِ، الرَّاعدونَ كنفضةِ الحُمَّى إذا خطرَ الظَّلامُ، العابثونَ، السَّاخطونَ، المُرجفونَ –وما انتهوا- دومًا أعزُّ! القائمونَ اللَّيلَ مِن أجلِ التَّعبُّدِ... في النَّهارِ يمارسونَ: عبادةَ الأقوى | التَّقاريرَ | الرَّذيلةَ | يأكلونَ أخاهُمُ واللَّحمَ مَيْتًا. محنةُ الأشْرافِ في عهدِ البَغايا، بهجةٌ سُرقتْ على غيرِ انتباهٍ، رحمةٌ حطَّتْ على سَقَمِ الحَيارى، دردشاتُ الفجرِ، كهَّانٌ يلوطُ الإثمُ في قدَّاسهم سَجْعًا، غرابيبُ القلوبِ العُمْي، عاهرةُ السَّبيلِ؛ ويا إلهيَ كان نهدُها ذابلاً، شهرُ المُحرَّمِ؛ جُلُّهم كانوا يحبُّونَ (الهَريسةَ) [8] لا (الحُسينْ) [9]! V يتقاطرونَ... طفولةٌ نُخِرَتْ لأُبصِرَ بيتَنا المحفوفَ بالصَّلواتِ –كان يلمُّنا وقتَ الغداءِ- حَقيبتي ودَفاتري الأُولى، دواوينَ المَعرِّيْ، الجمهراتِ، الرَّسمَ بالكلماتِ، سيَّابَ (الشَّناشِيلِ)، الفرزدقَ، فِتنةَ المَاغُوطِ. أُمِّي، أوَّلُ الماشينَ في عينيَّ، آخرُهمْ، وأجملُهمْ، وأصدقُهمْ وفاءً، هدأةُ السُّكنى، مصابيحُ السُّؤالِ، وغايةُ المَعنى الجزيلِ، براعةُ النَّجوى، وأكثرُهمْ حُضورًا... سِدرةُ المَأوى. صديقي -والدي المغروسُ بالغيماتِ ربًّا- لا ينامُ بغَيبتي رَغْدًا، سيمنحُني: الحياةَ | غَوايةَ الشُّعراءِ | مَصروفًا، يغضُّ الطَّرفَ إنْ نقَصتْ سجائرُهُ، يلملمُني، يعلِّمُني السَّعادةَ رغمَ حُزنٍ يعتريهِ، يُقطِّرُ الإبصارَ في عينيَّ. إخواني، سرايا اللَّونِ والأمطارِ والشَّغبِ النَّبيِّ، يكدِّسونَ حنينَهمْ في طَيِّ أمتِعَتي، ينامونَ انتشاءً بينَ مَحبرتِي وأوراقِ الغِيابِ * ويحرثونَ القلبَ كيْ أشجوْ كناقوسِ المَعابدِ، يُضْرِمُونَ حرائقَ الذِّكرى، أراني بينهم كالظِّلِّ. VI يتقاطرونَ... شقيقُ دربيَ والدِّراسةِ، يشبهُ الأنهارَ في مجراهُ، صاحِبتي التي قرأتْ جُنوني مَرَّتينِ بلا اهتمامٍ، – قد أحبَّتني قليلاً ثمَّ نامت - صاحبي الموشومُ أُغنيةً بثغري، -قد توارى كالمماتِ – مُبكِّرًا- وصديقتي الأبهى تحبُّ البيرةَ | الأشعارَ | تربيةَ المقالبِ، طفلةٌ أُخرى تُناكِفني، –وصارتْ حينَ حلَّ الجدْبُ صاحِبتي- صديقي كان يقلقَ إنْ تأخَّرَ حيضُ ليلاهُ البتولُ، وآخرٌ شُلَّتْ يمينُهُ كم كتبْنا فوقها مِن ذكرياتٍ والشَّتائمِ! ثالثٌ يمشي على خيط التَّوجُّسِ، رابعٌ يبكي إذا جنَّتْ عليهِ الحالكاتُ بلا نساءٍ يستبحْنَ مُجونَهُ، والخامسُ الودُّ الذي يغفو على كتفِ القوافي، لم يكُنْ كالعابرينَ وإنَّما صِنوٌ يُقاسِمُني الحياةَ، أولاءِ أصْحابي تآخَوا عُصبةً... يتقاطرونَ! VII تتقاطرينَ... كأمِّةٍ برَكتْ بوَسْواسي. وحيدٌ مثلَما دَومًا أصبُّ الضَّوءَ في عينيْ ظلامِي، أدفنُ الأحلامَ في دُرجِ التَّيقُّظِ علَّني أغفُو بلا أضغاثِ قاتِلتي، فأكبُو تارةً وأسيرُ أُخرى. واهمٌ إذ قلتُ إنَّ اللهَ غافٍ في الغرامِ، وغافلٌ إذ قلتُ إنَّ الخُفَّ يكتبُ للرِّمالِ، مُكبَّلٌ بعقائدِ التَّطهيرِ والكون انتخابٌ للنَّجاسةِ، سابحٌ والماءُ قوَّسَني شِراعًا، باسطٌ كفِّي أُريدُ الموتَ أطلُبُهُ... فيخشَاني ولا يَدنُو، نبيٌّ، تلكَ قافيتي تشقُّ البحرَ... ترتكبُ الجهاتِ، مُسافرٌ أبدًا وراحِلتي هوايَ، وقِربتي نَأيٌ، وأنوائي احتمالٌ، أقرأ النَّعناعَ والشَّمعَ المذوَّبَ فوقَ نهدٍ فائرٍ، وأزاوجُ الأحياءَ بالأمواتِ في رأسي... ويرهقُني الجنينُ، أجُسُّ بي -برهافةٍ- غيمَ النِّساءِ مُشاغبًا، أصحو لأغفوَ في رحابِ قصيدةٍ أزكى مِن الخلقِ اجتماعًا، معرضٌ؛ أسمو، وغيري غارقٌ في الذُّلِّ؛ إنِّي واحدٌ | أحدٌ | وحيدٌ... لستُ ممَّنْ يسجدونَ! VIII تتقاطرينَ وتُبعثينَ بجَفْلتي، قلَقي، وسُخطي، شكِّ أُغنيتي، اهتياجِ زَوابعي، كُفري، وإيماني، انبعاثي كالنُّشورِ بجنحِ ليلٍ لا يملُّ شِكايتي، بالكأسِ، بالماعونِ، منفضةِ السَّجائرِ، ساعةِ التَّنبيهِ، قاموسِ اللُّغاتِ، بمعطفي الجلديِّ، والأخبارِ، والصُّحفِ، الجدارِ... بكلِّ كُلِّي تُبعثينَ، بأضلُعي نهرًا من الأوهام: - ضِعنا! - كيفَ ضِعنا؟ - أنتِ أخبرُ كيفَ ضِعنا... إنَّما أدري بأنِّي قد دفنتُكِ سالفًا، وأقمتُ أضرحةً لعشقٍ هَدَّني، ومَسحتُ خدِّي بارتباكِ الشَّاهدةْ! (التَّوى) يتقاطرونَ... كدرْكِ ومْضٍ بالحِجا. يتهدَّجونَ كغصَّةِ الخِذلانِ في حلقِ التَّعيسِ، كدمعةٍ فضحتْ خبايا الوالهينَ، كرعشةِ التَّعميدِ في جسدِ الوليدِ، كوحشةِ الفِقدانِ في حظِّ اليتيمِ، لَسوفَ أقتلُني لأنجوْ! (على الأعرافِ) دثِّرْ قيامتَكَ الجليلةَ بالسَّعيرِ، وزفَّ للدَّارِ الرَّكينةِ نبضَكَ المَسجورَ جُلْجُلَةً. تمرَّدْ! وجهُ غُربتِكَ انتكاسٌ لستَ تُشبِههُ، ورتِّلْ سُورةَ المُغوينَ تذكِرةً: سلامٌ مِن إلهِ الماءِ للعطشِ القديمِ! [1] النِّيليُّ: (الأزرق الغامق)، أحد ألوانِ زِيِّ الطالباتِ المدرسيِّ الشَّائعِ في العراقِ. [2] سوقُ السَّرايِّ: سوقُ الورَّاقينَ كما كانَ يُسمَّى سابقًا. عمرهُ يزيدُ على سبعةِ قرونٍ. يتَّصلُ بـ(شارعِ المُتنبِّي) الشَّهيرِ، والذي يشكِّلُ امتدادًا لهُ، وكلاهُما رئةٌ للمعرفةِ والثَّقافةِ والأدبِ في بغدادَ. [3] شعبانُ: ثامنُ الشُّهورِ القمريَّةِ. أُستخدِمَ هنا كإشارةٍ لما باتَ يعرفُ بـ(الانتفاضةِ الشَّعبانيَّةِ) على (نظامِ صدام حسين) عام 1991. [4] علي الهادي: من نسلِ الحُسينِ بن عليٍّ بن أبي طالب، الإمامُ العاشرُ عندَ الشِّيعةِ الإماميَّةِ. [5] أربيلُ: مدينةٌ عريقةٌ. واحدة من ثلاث محافظات عراقية ذات أغلبية كردية. عاصمةُ ما باتَ يُعرفُ بـ(إقليمِ كردستان العراق)، أستخدمتها كرمزٍ للمنطقةِ الشَّماليَّةِ برمَّتها خلالَ تلكَ الفترةِ العصيبةِ. [6] وادي السَّلامِ: مقبرةُ في مدينةِ النَّجفِ وسط العراق، يُعتقدُ بأنَّها أكبرُ مقبرةٍ في العالم! [7] شطرُ بيتٍ لـ(جعفرَ الحلِّيِّ) من قصيدتهِ (وجهُ الصَّباح): عبَستْ وجوهُ القومِ خوفَ الموتِ والـْ عبَّاسُ فيهمُ ضاحكٌ متبسِّمُ [8] الهريسةُ: حساءٌ يحتوي على الحُبوبِ واللَّحمِ يُطبخُ بمناسباتٍ عدَّةٍ أهمُّها في العاشرِ مِن محرَّمٍ بكلِّ عامٍ تزامُنًا مع إحياءِ ذكرى مقتلِ (الحُسينِ بن عليٍّ بن أبي طالب)، ويوزَّع على النَّاسِ مع غيرهِ من الأطعمةِ والمَشروباتِ طلبًا للمثوبةِ وفقَ المعتقداتِ السَّائدةِ. [9] الحُسينُ: معروفٌ. الإمامُ الثَّالثُ عندَ الشِّيعةِ الإماميَّةِ. السويد | 2004 من ديوانِ: ليسَ يُنجيكَ المَسيرُ | 2007

    الكاتب: سعد الياسري

    0المفضلة

    11967 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    العراق الياسري فصحى أدب شعر 

التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من سعد الياسري

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • يتقاطرونَ