• التعايش

    (عندما لا يندملُ جرحُ الذاكرة) بثنيةُ زقزقةٌ من حنينْ . وعصفورةٌ تنسجُ العُشَّ فوق غصونِِ الفؤاد... وتفرشُهُ بالأنينْ . وأغنيةٌ أوغلتْ في المقامِ الموسيقيِّ... حتى جواب الجوابْ . وطعنةُ ريحٍ لخَصرِ السحابْ . ووهجٌ تجمَّعََ كالثلجِ فوق شفاهِي وذابْ . بثنيةُ نقشٌ على ماءِ عيني... فحرفٌ هنا وردةٌ... وحرفٌ هنا ياسمينْ . وكحلٌ من الشوقِ باكٍ حزينْ . وهدبٌ وبلَّ صَداهُ الظَّما . وأنطقهُ الصمتُ منذ الرحيلِ المفاجئِ... صارَ بكاهُ... فَمَا . أنا يا بثينةُ منذ الفراقِ... يصفِّدُني في هواكِ الَّلمى . وعشبُ شفاهِكِ فوق القيودِ نما . *** لذاكَ اقتبستكِ... ها لغتي دِيمَةٌ من طيوبٍ... وها أسطريِ أورقتْ بالكتابَهْ . وذا الطينُ يشهقُ بين يديَّ ويعرقُ... لمّا أُدوزِنُ أوتارََهُ كالربابَهْ . *** تخثَّرتِ فيَّ... ومن رئتيَّ اتخذتِ وسادا . ولذَّ لكِ الشِّعرُ ضمنَ سُباتِ العروقِ... تنامينَ... لكنني ما عرفتُ الرُّقادا . *** حملتكِ ... كم هو صعبٌ على المرءِ حملُ صخورِ القمرْ . وحملُ غبارِ النجومِ .. وصوتِ المطرْ . وغاباتِ لوزٍ... تًحضِّرُ قهوتَها للصباحِ الجميلِ إذا ما حَضَرْ . حملتكِ... كم هو صعبٌ على المرءِ حملُ الفراشاتِ... وهْيَ تمشِّطُ شَعرَ الشَّجرْ . وحملُ دموعِ العناقيدِ وقتَ السَّحَرْ . *** حملتكِ حملََ الينابيعِ والنخلِ والقمحِ لما رحلْتُ... فكلُّ حقائبِ قلبيَ خبزٌ وتمرٌ وماءْ . ورائحةُ البنِّ والهالِ... تصهلُ فيهِ ... وتملؤهُ كبرياءْ . *** نَبَتِّ على جسرِ كِبْدي... كمثلِ حشيشِ الربيعِ بضفَّةِ ماءْ . فكانَ العبورُ عليه اغتسالاً... بحبرِ الشقائقِ والأقحوانْ . وصِرتُ إذا ما وقفتُ على شرفةِ الجسرِ. أرنو إليكِ... تكدَّس في الأفْقِ ألفُ كتابٍ على لغةِ الزعفرانْ . فأقرأُ في أبجديةِ عطرِكِ فقهَ البساتينِ... متناً وشرحاً... وألفيَّةً كلُّ بيتٍ تزيّنُهُ وردتانْ . *** وأني لأَسمعُ من شرفتي. صراخَ انفتاقِ البراعمِ من وردةِ . وصوتَ امتصاصِ البخارِ... يدورُ بأوردةِ الموجة ِ. وألمحُ في بؤبؤِ الضوءِ... يمشي على قدميهِ الحَبَقْ . فأشهدُ ما قال فيكِ ثناءً... ويشهدُ ذاكَ الثناءُ الغَسَقْ . وأشتَمُّ عبرَ المسافةِ بيني وبينكِ لونَ الشَّفَقْ . فأكسرُ عند المساءِ جرارَ الحروفِ... وأنثرُ آهاتِها ... في الورقْ . فلا تسأليني.... لماذا حروفي إذا لامستْ دونَ قصدٍ... جبينَ البياضِ... تضوَّرَ شوقاً... وأبرقَ ثم تأجَّج ثم تَفصَّدَ ثم ائتلقْ . *** ولا تسأليني لماذا ...؟ وبيني وبينكِ أرضٌ وبحرُ . وجُبٌّ وقافلةٌ لا تجيءُ... ودَلوٌ ضريرٌ... وحبلٌ قصيرٌ ... ومكرٌ وغَدْرُ . فلا تسأليني لماذا ... برغم شهادتِهمْ في القميصِ المزوِّرِ كيف أُصِّرُ . "سيولدُ من ظلمةِ الجُبِّ فجرُ ". فلا تسأليني ... لأني أنا (يوسفٌ) لا النبيُّ... وأنتِ ورغم تعدُّدِ اسمِ الأقاليمِ مصرُ . *** ولمّا خرجتُ من الجُبِّ ... مَدَّ " الشَّمالُ" إليَّ اليَدا . أتَتْني... وَلَمَّتْ شَتاتيَ من فوهةِ الريحِ "إيلزا"... وصدّت بكفِّ المحبةِ عني الرَّدى . وأهدتْ إليَّ ضفيرتَها... بلَّلتْها... بماءِ الندى . وعطراً... وربطةَ عُنْقٍ، وبدلةَ صوفٍ... ومِنديلَها ... طرَّزتْهُ بحرَفَيْ حريرْ . و(إيلزا) ولو تعلمونَ ... جمالٌ مثيرْ . يرمِّمُ قبحَ المنافي المريرْ . وهندسةٌ ... بين ضوءِ الرُّخامِ... وهمسِ القطيفةِ تحتَ ظلالِ المرايا... مزاوجةُ الحسنِ بينَ (المدبَّبِ) و (المستديرْ) . و (إيلزا)... تُدوِّخُ رأسَ العصافيرِ... لما تَذَكَّرُ بيدرَ قمحٍ يحفِّزُها كي تطيرْ . وتُشعِلُ نارَ الشرايينِ... مثلَ اصطدامِ النيازكِ في سُرَّةِ الأرضِ... تُخرِج منها الصنوبرَ... يَغسلُ جنحيهِ بالضوءِ مثلَ الفراشِ بشكلٍ مثيرْ . *** (وإيلزا) التي قد وصفتُ كهذا وأكثرُ... قد طارحتني هواها الكبيرْ . وقد صارحتني بهذا ... ومُخمَلُ نظرتِها يقشعرُّ... على خَفَرٍ في العَشاءِ الأخيرْ . ووهجُ شموعِ يديها... تَسارَعُ أنفاسُهُ كاحتدامِ الزفيرْ . *** ولما دعتنيَ (إيلز) إلى خدرِها... في حلالٍ... (بثينةُ) جاءتْ على عجلٍ قاسمتْنا السريرْ . قاسمتْنا السريرْ . ***

    الكاتب: محمد نجيب المراد

    0المفضلة

    9283 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من محمد نجيب المراد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • التعايش