قالت جملتينِ و سافَرَت
Dec 9, 2020 12:46 PM Dec 9, 2020 12:46 PM
عزفَت على أوتارِ قلبيَ من لُحونِكَ يا وطنْ . كالصُّبحِ جاءَت مِن بعيدٍ بعدَ ليلٍ كانَ سافرَ فِي فضاءَاتِ المجرَّةِ حامِلاً كُلَّ النُّجومِ لترسمَ الفجرَ الجمِيلَ على عُيونِ القَلبِ حيثُ غَفَت على كتِفِ الظَّلامِ و داعَبَت حُلُماً تبرعَمَ فِي الجوانِحِ مُنذ آلافِ السِّنينْ. جاءت " شَجَنْ " . جاءَت لتَبعثَ موتَ أَزهَارِي التي شاخَت ، و عاثَت فِي حدائِقِها الرِّياحْ . جاءت بأغنِيَةِ الصَّباحْ : " قُم يا وطَنْ ." قُم فاغسِلِ الوجهَ الذي نَقَشَت عليهِ ـ برِيشةِ القَهرِ ـ الضَّياعَ يدُ الزمنْ . قُم فاقتُلِ الموتَ الذي فِي القلبِ يبنِي عُشَّهُ . و على نِياطِ القلبِ يُعلِنُ سطوةَ النمرُوذِ حِينَ يعِيثُ فِي كُلِّ البَدَنْ . فاحت مِن الأَطرافِ مُنذ غدت لتمّوزَ الفرِيسةَ و الحبِيسةَ ـ يا فتى الأَحلامِ ـ رائحةُ العَفَنْ . ما لي أَراكَ و قد تحجَّرَ وجهُكَ المروِيُّ مِن نهرِ الحَيَاءِ تسمَّرَت قدماكَ و ارتَعَدَت يَدَاك َ و أَنتَ تحمِلُ بعضَ جُرحِي يا حبِيبِي قد عرفتُكَ شامِخاً كالنَّخلِ تضرِبُ فِي الثَّرى جِذراً و في أُفقِ السَّماءِ يُسافرُ السَّعَفُ الأَبيُّ لكي يُلامِسَ نجمةً . لا تستَبِيكَ الرِّيحُ رغمَ عُتُوِّها. لا يسكُنُ الخوفُ العُروقَ و لا مدائِنُ عينِكَ البحرِيةُ الشمَّاءُ عاثَ بها الوَهَنْ . أنا مِنكَ ، أَنتَ بناظِريَّ حدائِقُ الرمَّانِ و الليمُونِ ، في جفنيكَ أَهرُبُ مِن جحيمِ الطائِراتِ فتُطبِق الأَهدابَ تحمِي لائِذاً بِتُرابِكَ الذَّهَبيِّ تمتشقُ الحسامَ تصُبّ لي كأساً من الشهدِ الزلالِ فيمَّحِي في داخلي لونُ الحَزَنْ . أنا مِنكَ أُغنِيةٌ صَداها قد تَردَّدَ في فضاءِ الكونِ أَنتَ لِيَ السَّكنْ . جاءت شَجَنْ . جاءت و في اليُمنَى شُموعٌ أَوقَدَتها مِن لهِيبِ الإِنتِظارِ و باليَسارِ تناولَت عُشبَ الرَّبِيعِ هَدِيَّةً للجدبِ في قلبٍ جَفَتهُ الهاطِلاتُ و عربَدَت فيه الإحَنْ . صنعَت مِن الحُزنِ المُخيِّمِ في العُيونِ.. مراكِباً للشَّمسِ قالت جُملَتَينِ و سَافَرَتْ كنسِيمِ صُبحٍ ، و ارتَقَت دَرَجاً إلى العلياءِ حيثُ مكانُها لِتشِعَّ في أرضِ الخطِيئةِ شمسُها و تُميطَ عنها مِن أَذى من عربدوا بشَمالِها و جنوبِها . قالت كُليماتٍ : سأتركُ فِيكُمُ النُّورَ الذي أَرسلتُهُ لظلامِكُم فلتَهنأوا. و سأتركُ البحرَ الذي عَشِقَتهُ أَجنحةُ النَّوارِسِ هادِئا . والموجُ يلثُمُ فِي اشتِياقِ مُسافرٍ لذَوِيهِ من بعدِ الرُّجوعِ مرافِئا . و يُعاقِرُ الربَّانَ و الحِيتانَ و الجُزرَ البعيدةَ والسُّفنْ . جاءت شَجَن . جاءت كبَرقٍ خَاطِفٍ خَلَبَ العُيُونَ و سافَرَت نحوَ البعِيدْ . نقَشَت رِسالتَها الأَخيرةَ من دُموعِ القلبِ قالت : لَن أَعُودْ . طارَت كَعُصفُورٍ طَلِيقٍ بيدَ أَنَّ أَرِيجَهَا و صَدَى حدِيثٍ مُمعِنٍ فِي الصِّدقِ باقٍ فِي الفُؤَادِ و خالِدٌ عبرَ الزَّمنْ .


الكاتب: جمال مرسي
0المفضلة
7803 المشاهدات
0 تعليقات