تحولاتُ العاشقِ في نصٍ مفتوح
Dec 9, 2020 12:47 PM Dec 9, 2020 12:47 PM
(المتن) { اشتدَّ الحُزْنُ عَلِيه وطارحَتْهُ المنايا ، فاسْتَجارَ بصَوتٍ قَريبٍ مِنْ أُذُنيهِ، غَيْرَ أنَّ المسافاتِ قد فارقتْ شَكلَها وامتداداتها عَادتْ هباء. فاحتَمى سَاعةَ الافتراق عَنِ الحُزنِ بطيفِ المكان. فحارتْ به الدنيا وحارَ بها وقالَ قولاً لَمْ يَسْمَعْه *** (النص) كانَ الوقتُ سجيناً ، يَحْتَضِنُ الغائبَ في غيبتِهِ ، يَنْسِجُ آهاتِ مَحَبَّتِهِ ، يَتَجلَّى في اللاتكوينْ. يَتَمدَّدُ في البُعْدِ وفي اللابُعد ، لا شكلاً يؤويه ، لا وطناً يعرفُ ماضيه ، كان الوقتُ سجيناً ، يتناثرُ في الحكمةِ ظلاً ، يأتي مغروساً بأنينْ. تخنقهُ الظُّلمةُ في الحُبِّ وفي اللاحبِّ ، يطوفُ قليلاً في الاثنين ، يتماها في كُلِّ جنين. سالَ الوقتُ ، وكادَ الصمتُ شروداً في كلِّ يقين. صارَ الوقتُ دهيناً ، خشناً ، يتلفلفُ في وجعِ التكوين. والحزنُ الكامنُ في العينين ، وطنٌ وسحابْ ، يا ورقَ العنابِ ترجلْ ! فالأطفال نيامُ والشارعُ يسكنه الخوفُ وأبي المترحلُ نحو دمشقَ ، يتقصى أخبارَ الدولة في التلفازْ والربُّ القابعُ في خزانِ الماءْ ينضحُ عرقاً ، يتوارى في كل رداءْ يتصاغرُ في أفواه الصبيةِ ، يتباكى في كُلِّ سماءْ. *** يا ورقَ العنابِ ، مِنْ أينَ سيبدأ هذا التاريخُ الملفوفُ على أحزمةٍ ناسفةٍ ؟ من وجعي ! أم مِنْ كُتُبِ الأجدادْ ! أم مِنْ حُبٍّ غافٍ فوقَ حروفِ الضادْ ! كان الوقتُ عفيفاً مكتئباً في الترقينْ. فاضَ الوقتُ، وكان الحبُّ ضياءاً يمنحَهُ الخالقُ للمخلوقْ ثياباً لا يسكنُها البردُ مساءاً ، لا يعرفُها غير العاشقِ والمعشوقْ. *** حجرٌ في الطريقِ المؤدي إلى الربِّ ، يصغي لوقعَ الخطى ، يرتدي ما تبقى من الليل ثوباً ، يفرُّ بجرحِ المسافةِ ، يفتحُ في الظِّلِّ ذاكرةً ، تستحمُ ببردِ الضحى ، حجرٌ في الطريقِ المؤدي إلى الربِّ ، بيتٌ بظلِّ الفراتْ ، يسكنُ الموتُ أيامَهُ ، يحتمي بالمتاهاتِ ، يبكي بكُلِّ الصفاتْ. والفراتْ ، كانَ قبل الفراتْ ، مأتماً قابعاً في الفجيعةِ ، بيتاً لكُلِّ اللغاتْ. والفراتْ ، مسكنٌ للمهاجرِ نحو المطرْ ، حجرٌ عالقٌ في رمادِ الحجرْ. *** صار صوتٌ لفريدريش غابةً للبكاءْ راقداً في سرير الفجيعةِ ، شاكياً للطبيعةِ ، حزنَ هذا المساءْ ، زارعاً وجهه في المرايا ، زهرةً ، تنسجُ الكبرياءْ. صار صوتٌ لفريدريش منزلاً للقصيدة ، يتقرى تجاويفها والشقوقَ ، جُرحُها في بلاد المتاهات طيفٌ حزينْ ، صوتُها ، جسدٌ يلبسُ الدهشةَ ، في شقوقِ القبور الوديعةِ ، يغفو على الظِّلِّ حيناً ، وحيناً يفيقُ بصوتٍ حنين. *** يا ورقَ العنابِ ترجلْ ! فالوقتُ ضبابْ ، وأنا الغَارقُ في الأنساب ، ضِعْتُ وضَيَّعَنِي الأصحَابْ ، مذهولٌ بالصمتِ الطالعِ من تاريخٍ ، يتكدسُ أوراقاً وسرابْ. وأنا العاشقُ ، أبحثُ في لغةِ الأحباب ، عَن ضَوءٍ يأتي ، عَن وَطنٍ يسكنُهُ العُنَّابْ. فدموعُ العاشقِ جرحٌ للمعشوقِ تَغفو تَتهامسُ في الدَّهشةِ يَسكُنها صُبحٌ وغِيابْ.


الكاتب: مالك الواسطي
0المفضلة
3402 المشاهدات
0 تعليقات