معزوفة بالوتر الأسود
Dec 9, 2020 12:47 PM Dec 9, 2020 12:47 PM
سَكبَ الوقتُ العَتْمةَ في كأسِ الآفاقِ فأغرَقَنا في وحلِ الليلْ نَسَلَ النورَ الأبيضَ منْ عينينا و رمى نوراً أسودَ في العينينْ . و ليالي شَعركِ تمتصُّ الليلَ لتَنْقُلَني مع هذا الليلِ فأغرقُ في ليلينْ . تتوترُ أعصابُ الليلْ تتشعَّبُ في جسدِ العَتْمَةِ أمواساً تزحَفُ ... تَزْحَفُ فيهْ تَجْرَحُ جلدَ الليلِ فَتَقْطُرُ زخاتٌ منْ دَمِهِ المصنوعِ منَ التاريخِ و تهطلُ فوقَ شراشِفِ روحي توخِزُ أحزاني توقِظُها تَسري في ذاكرتي برقاً حتى تقسمَها وجهينْ يَلبسُني وجهُ التاريخِ و ألبسُ وجهَ المستقبلِ أمشي نهراً ضوئياً بينَ الوجهينِ فَيَشْطُرُني سيفُ الليلِ و تَعبُرُني قافلةٌ منْ رائحَةِ الدمعِ و قافلةٌ منْ رائحةِ الدمْ تَرْسُمُني مخلوقاً دَمـْدَمْعِيّاً أمسكُ بالوترِ الليليِّ و أعزفُ أغنيتي فَتسيلُ الموسيقى زخاتٍ زخاتْ ، أمواجاً أمواجاً ، أنهارَ دموعٍ سوداءْ أطرقُ بابَ الليلِ و أطرقُ ، أطرقُ ، أطرقُ ، لا أحدٌ يسمعني فألملمُ منْ أذنِ الليلِ ، ألملمُ جثَثَ الطَّرْقاتِ و أدفُنُها في مقبرةِ الشهداءْ أصطادُ منَ الآفاقِ رنينَ الطَّرْقاتِ و أسكُبُها في كأسٍ منْ حزنٍ أشرَبُها حتى السكْرِ فألمحُ وجهَكِ في قعرِ الكأسِ كئيباً و يُناديني بالصمتِ و يَبكي دونَ دموعٍ فأُغني : ضُميني يا عاصمةَ الأحزانِ و يا قلبَ الجسدِ الكرويّْ يا منْ ضخَّتْ دَمَها حُبّا حتى آخرِ أطرافِ شعيراتٍ بشريَّة ْ ضخَّتْ دَمَها أسراباً أسرابْ يا منْ تَرضعُ منْ ثديِ الأيامِ حليبَ الموتِ و تُرضِعُ أبناءَ الأرضِ حليبَ حياةْ تعصرُ منْ عينيها وطناً ليَعودَ الغُيَّابْ يا منْ تَدخلُ كالآتي ، المسنونِ ، بخاصرةِ التاريخِ و تبني مستقبلََها بيديها ليصيرَ المستقبلُ بيتاً مفتوحَ الأبوابْ يا منْ لبستْ كلَّ الليلِ و ما خلَّتْ للحزنِ ثيابْ * * * نرسم وجه الأيام علينا باللون الليليِّ عساها تغدو ـ يوما ـ صبحاْ نغمس بالأسودِ أوجاعَ الأرضِ لكي تتبخرَ ، تصبح غيماتٍ تهطل فوقَ التربةِ قمحاْ نَفْرُشُ فوقَ الليلِ عباءتنا السوداءَ ، نغطيهِ . نحن الليل ، وهذا الليل الـ نعرفه يُوحَى و أنا أنتِ ، و أنتِ أنا من دمعاتك ـ تلك ـ تَكوّنَ جسمي و من العينين أخذت الرّوحاْ . صبّي حزنك بين الناس ِ يَنبت من عينيهم عيدُ دوري من عزف الكاس ِ كي نُنْشدَ : دو ري مي فا صول لا سي * * * ما زلنا نحنُ الاثنان وحيدين نسيرُ على حبلِ وريدٍ ـ منّا ـ منفردٍ عينانا وَسعتْ كلَّ الدنيا, و الدنيا نهرٌ عذبٌ يُسكبُ في تابوتْ ضمّيني أكثر، أكثر، أكثرَ فالأرضُ اهتزّتْ و الجوُّ بداخلنا رعدٌ و رصاصٌ صرنا الآن غشاءَ الصمتِ الـ يخرُقُهُ سيفُ الصوتْ. تعدو الأفراحُ على أرصفةِ و هامشِ شارعنا وبقينا في منتصفِ الشارعِ حزناً مجروحاً، يتّكئُ ـ الآن ـ على صبرِهْ و يُضمِّدُ جرحَهُ ـ هذا ـ بلفافةِ صمتْ ، ـ يغمرنا بالوحلِ الأسودِ، يشعرنا بالموتِ الضاحكِ, نضحكُ، نضحكُ، نضحكُ ... حتى اهتزَّتْ خاصرةُ الموتْ فارتعشتْ كلُّ زوايا الآفاقْ. أجملُ منْ كلِّ الأشياءِ و أصعبْ وجهٌ رُسمتْ فيه البسمةَُ و هو يموتْ. أحتاجكِ يا وطناً من أنثى يا امرأةً كاملةً تحضنني بينَ ذراعيها تغرسُ في صدري خنجرَ نهديها تقتلني، تقتلني ثمَّ تثورُ و تبكي، تحملني بالدّمعِ و تقبرني في العينينْ أحتاجكِ يا امرأةً لا تَصنَعُ بينَ القلبين إشاراتِ مرورٍ أو قانونْ أحتاجكِ يا امرأةً تَدْخُلُ روحاً فيَّ و أَدخلُ روحاً فيها أصبِحُها ، تُصبِحُني , نغدو ماءً مصبوبا في ماءٍ ، لا نَعرفُ منْ منا الآخرَ ؛ أحتاجُ ، و أحتاجُ ، و أحتاجْ ... من مالِ الله يا محسنُ يا ناسُ أعينوا هذا المجنونْ . تَعِبَتْ روحي , تعبتْ أجزائي و بقايا عمري تعبتْ ، تعبتْ ، تعبتْ من شدَّةِ هذا الصّدق ِ ، فإن الصدقَ كما الوقت إذا يكثُرُ قلَّ العمرُ ، فيا كلماتِ الصّدقِ لقد حرَّضتِ على ألمي ، ألمي . كلماتُ الصّدق تعرّشُ أشجارَ سيوفٍ في عينيَّ و في قلبي و فميْ فتسيلُ الكلماتُ ، من الثغر، مضمَّخةً بالدَّمِّ فرفقاً بي يا صدقُ فإنكَ تسحبُ منْ جسدي كلَّ دميْ . * * * هل ، لبحارِ الدمع ِ، لدينا ساحلْ ..؟?? هل لطريقِ المنفى ، منزلْ ؟ هل ، لمدادِ الحزن ِ، لدينا سُورْ ؟ كانت أسئلةٌ تعبُرُني تُلْصَقُ في وجهي منها بصماتُ بقايا أجوبةٍ و ذهولٌ فأدورُ ... أدورُ ... أدورْ أسقطُ في منفايَ وحيداً مع ذاكرتي أصرخُ ، تصرخُ روحي صرخت كلُّ عروقي و عظامي ، لحمي و دمي صرخت سائلةً ريحَ الأفراح بأنْ تأتي و تمشِّطَ فيَّ ضفائرَ حزني راحتْ تجري ريحُ الأفراح و تركضُ ، تلهَثُ ، تمشي و تُهروِلُ ، تزحفُ حتى عبَرتْ ـ منْ بعض ضفائر أحزاني تلك ـ ضفيرةْ . قالتْ مُرهقة ً: إنكَ تطلبُ مني أنْ أحيا وأموتَ وأحيا و أموتَ وأحيا وأموت ... لا أقدرُ أنْ أنهي تمشيطَ ضفائرِ حزنِكَ في هذا العمرِ فإنَّ ضفائرَ حزنِكَ أطولُ ، أطولُ ، أطولُ منْ عُمْري بعصورْ .


الكاتب: شادي حلاق
0المفضلة
5072 المشاهدات
0 تعليقات