• حضورٌ ناقص

    أَبَتاهُ .. أنا ابْنُكَ، لَسْتُ سِوى بَحَّارٍ خَطَّاءٍ، أنا هذا الهاربُ مُذْ نَبَذَتْني كُلُّ كتاتيبِ الحاراتِ، هُنا أَتَسَكَّعُ مَجهولاً في طُرُقاتِ المُدُنِ السَّكْرى، أختالُ بوحْشِيةِ أسلافي، وجبيني يَرْشَحُ مِلْحاً ويدايَ مُضَمَّخَتانِ برائحةِ الأعماقِ، سأُعْطي الليلَ هواجسَهُ، والحزنُ لنا سأخونُ أسانيدَ التاريخِ وأشْطُبُ مِنْ زمني الزمنا سأُتِمُّ غنائي حتى أوقظَ أوَّلَنا أحْضَرْتُ الليلةَ ما قدْ يحتاجُ المجنونُ الكَهْلُ ليَفْتَحَ أرضَ طفولتِهِ، أحْضَرْتُ البحْرَ ورائحةَ الشطآنْ أحْضَرْتُ سلاماً للجيرانْ أحْضَرْتُ مواويلَ البحَّارةِ والفلاحينَ، جَلَبْتُ "عريشَ القيظِ" أحاديثَ السُّمارِ، حَكايا الجِنِّ، وقَهْوَتَنا أحْضَرْتُ رياحي والسُّفُنا أحْضَرْتُ نُباحَ الليلِ النائي، ومُواءَ الظُّهْرِ، وإبريقَ وضوءِ أبي، وعباءَةَ أُمّي، وبَكَيْتُ قليلاً، أحْضَرْتُ سماءً ونخيلاً، أحْضَرْتُ رِفاقاً حَمْقى كيْ نَلْهو، ورَسَمْتُ لغُيَّابي وطناً أحْضَرْتُ طريقي نَحْو مُصَلّى الحَيِّ، جَلَبْتُ مصابيحَ الفقراءِ، جَلَبْتُ حظائرَ فارِغَةً لنُرَبّي أحلاماً، وجَلَبْتُ ظِلالاً ثُمَّ شَرَعْتُ أُبَعْثِرُها فَلَعَلِّي ألقاني كالرمْحِ هنا أحْضَرْتُ رُعودَ الأزمنةِ الأولى، ورأَيْتُ الدهرَ بِرُمَّتِه ينهارُ على بابي، والأرضُ مهيأةٌ كيْ تُنْجِبَ مِنْ صُلبي عَلَنا المشهدُ مُكْتَمِلٌ، والآن سأنْفُخُ مِنْ روحي، وأُعيدُ القريةَ سيرتَها الأولى، لكنَّ المفقودَ الأوْحَدَ كان .. أنا!

    الكاتب: حسن المطروشي

    0المفضلة

    3288 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من حسن المطروشي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • حضورٌ ناقص