• دُنياكَ خارج سورها العالي

    اخترتَ أَنْ تحيا حياتَكَ كالغريبِ يمرُّ من بابِ المدينةِ غيرَ مأسوفٍ على الماضي البعيدِ وناسِهِ لأَيِّ دربٍ تُفْسِحُ الدنيا لخطوتِهِ ... سَلَكْ  أمضيتَ عُمركَ بين تهوامِ السنينِ وبين أَسئِلةٍ تُنَازِعُ عرشَ رُوحِك كُلَّمَا امتلأتْ رؤاكَ بحَفْنَةٍ أُخرى من التذكارِ والشجنِ القديم ، لم تنتظرْ دُنياكَ خَارجَ سورِها العالي ، هَرعتَ إلى التماعاتِ النشيدِ وفجرهِ ، آخيتَ في سَفرِ المخيلةِ طفلَ حُلمِكَ فارتقيتَ لمنتهاهُ سلالماً من فِضَّةٍ عَلَّلْتَهُ بالغيمِ في قَيظِ الدروبِ ... وعلَّلَكْ  لم تستطعْ عيشَ الحياةِ على حُطامِ كواكبٍ غَرَبتْ عن الأَنظارِ ، أغرتْكَ التُّخومُ بشالِها وبعيدِها ، تمضي وتَسألُ ما الذي أقصاكَ دونَ بلوغِ ما منَّيْتَ روحَكَ باعتناقِ سحابِهِ ، ليسَ يعنيكَ انشغالُ الحظِّ عن قدميكَ في شَرَكِ الهباء ، مَنْ كُنتَ تَنوي أَنْ تُواصلَ صوبَ نجمتِهِ الصعودَ قَسَا عليك ... وأَنْزَلَكْ !  تغفو لتحلُمَ بالأقَاصي وما انتظرتَ من الأَهِلَّةِ في سماءِ الله ، ما كُنتَ تملِكُ من ندى عينيكَ ما يكفي لِتَعْثُرَ في التماعتِهِ على قبسٍ شحيحٍ للعبورِ إلى رؤاك ، صَدَّقتَ معنَى الدفءِ في كَنفِ الأَحِبَّةِ وارتهنتَ لظلِّهِم زمناً فغادركَ الذي أسكنْتَهُ سهلَ الحنينِ ونبضَهُ ، اختارَ أَنْ يُقصيكَ للذكرى لتغدو من حياتِهِ آخِرِاً واخترتهُ دوماً لِيُصبِحَ ... أَوَّلَكْ  خيطٌ شفيفٌ للسؤالِ المعدني يَشُدُّ ماضيكَ البعيدَ لحتْفِهِ وأَنتَ ما بينَ التردُّدِ والتغرُّبِ ما اهتديتَ لقِبْلَةِ الشجرِ الأَخير ، لم تلتفتْ لربيعِ مَنْ يهواكَ مَنْ شطرَ الغيابُ فؤادَهُ نصفينِ ، وانتثرَتْ خُطاه على مهبِّ الريحِ تَعلقُ بالصدى مَنْ ظَلَّ يحملُ عنكَ أعباءَ السنينِ...ودلَّلَكْ  إِطلالةُ الذكرى بعينِكَ لا تُهيِّؤُ للحقيقةِ مَرْفَأً صَلْباً لِتُفرِغَ مَركباتُ الغَيْبِ بعضاً من حُمُولةِ صمتِها ، تنحازُ للنسيانِ في تعبِ الطريقِ ولَسْتَ تبلغُ سِدْرَةَ الحُلمِ الذي أَشقيتَ عُمركَ بامتداحِ ظِلالِهِ ، لا أَنتَ تُوقِدُ ما انتهيتَ إليهِ من حطبِ السؤال ، ولا انسحابُ الفجرِ عن قدمِ البدايةِ ... أَمْهَلَكْ  ما كُنتَ لو تحظى بباقي العُمرِ تُدرِكُ ما أضعتَ من الحياةِ وسِرْبِها ، ضَاقتْ بِخطوِكَ ضِفَّةُ الأَملِ القصيِّ وجرَّدَتْكَ الأَرضُ من حِنَّائِها ، لم تَدَّخِرْ سبباً وحيداً كافياً لرجوعِ صوتِكَ من غياهِبِ أَمْسِهِ ، ما كُنتَ تُفلِحُ في الوصولِ إلى تُخُومِ أَنَاكَ في شَفقِ الهديلِ المرْمريّ ، ما خَفَّ من ريشِ التذكُّرِ ... أَثْقَلَكْ  يختارُكَ الترحالُ فاسْلُك في مجاهِلهِ احتمالاً لا يعودُ إلى التباسِكَ بالندى ، لا تحملِ التِّيهَ الفسيحَ إلى حُدودِ الملحِ في رمقِ المدى ، للريحِ أَجنحةٌ تُؤلِّبُ جَذْوَةَ العطشِ القديمِ وتوقَهُ ، مَنْ راحَ يبحثُ عن مَعِينٍ واضحٍ في ظِلِّهِ الخالي من النجوى ... هَلَكْ  فَتِّشْ إذاً عن طيفِ مَنْ غادرتَهُ عن أُغنياتِ الغيمِ ، عن وَتَرٍ يسيلُ إلى براري الصمتِ في عينيكَ ، فَتِّشْ عن وجودِكَ في السرابِ وفي الغيابِ وفي الصدى   لا بُدَّ من نَايٍ أَخيرٍ شَارِدٍ نَايٍ بهيجٍ كُلَّمَا ضَيَّعْتَهُ في زحمةِ الدنيا لِروحِكَ ... أَوْصَلَكْ

    الكاتب: علي الحازمي

    0المفضلة

    597 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علي الحازمي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • دُنياكَ خارج سورها العالي

    المزيد من علي الحازمي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة