تساقُط زمَنْ
Dec 9, 2020 12:48 PM Dec 9, 2020 12:48 PM
يتشرّدُ الغيمُ المحـيطُ بأُفقنا.. تتبعثرُ الذكرى الغريبةُ في محاجرنا.. وتنفصلُ الفصولُ. صار الزمانُ مشرّداً كالغيمِ رحّالاً.. كأرصفةِ الموانئِ والمنافي لا النهايةُ فيه مُطفأةٌ.. ولا ضوءُ البدايةِ لا الطريقُ تمُدُّ أرجلَها لِنعبرَها ولا أيدي الهواءِ تُصافحُ الأيدي التي عبرَتْ سديمَ الوقتِ والتَحَفَتْ سرابا. لا الوقتُ يمنحنا البقاءَ وليس يبغتُنا الرحيلُ. كانت عقاربُ ساعةِ الماضي تحاولُ أنْ تُسابقَ عُمرَها الفَرَضيَّ تدخلَ آلةَ الزمنِ السعيدِ لعلَّ صورتَها القديمةَ تستحيلُ كصورةِ الآليِّ جِلدٌ من حديدٍ غارقٍ في الرملِ أو في الوحلِ فوق دمٍ مِـن الفولاذِ.. تنصهرُ الدماءُ به وتنفطرُ القلوبُ. زمنانِ بينهما توقّف تائهاً.. كالطفل في صخَبِ الزِحامِ زمنٌ تبخّر في سماءِ الغيبِ أُحجيةً وأُغنيةً تدُقُّ طبولَها الفوضى علـى وترِ الغمامِ. كانَ الزمانُ.. على سذاجتهِ يعُدُّ حـصى الشواطئِ يبتني قصراً من الأوهامِ.. يهدمُهُ يُعفِّرُ وجههُ الفضيَّ في رملِ الشواطئِ. لا تكِلُّ نوارسُ المعنى تحُلُّ علـى شواطئهِ.. تُطوِّقهُ الكواكبُ.. والنجومُ ويلُوحُ في مِرآته زمنٌ خُرافيُّ التموُّجِ يبتني قبراً ليَسكُنهُ.. ليُسكِنهُ الأُولى مرُّوا على عجلٍ على الزمنِ - المقابرِ - حين تدخلُ في سراديبِ السماءِ الأمنياتُ ويستحيلُ القمحُ مِشـنقةً وتنتحرُ الحقولُ خرجَ الزمانُ مُجرّداً مِن ثوبه الأزليِّ يخرجُ عارياً حتى من الألوانِ.. والأوقاتِ.. و(الروتينِ).. حتى من طبيعته التي انطبَعَتْ على الدهرِ الجِدارِ عارٍ هو الزمنُ الذي يترصّدُ اللاشيءَ يخرُجُ صوبَ غـابتهِ الطريدةِ في فضاءِ اللهِ حينَ تصُدُّ كفُّ الشمسِ عن تأريخها زبدَ الغُـبارِ. لا شيءَ يُقنِعُ بالتقنُّعِ مرّةً..! كُلُّ العناصرِ في مدارِ الله تلبسُ كلّ يومٍ صورةً أُولى وتخلعُ كلّ يومٍ صورةً أُخرى يُطاردُ ظبيةً ليثٌ تُطاردُ ظبيةٌ ليثاً !! فـقطْ.. تتغيّرُ الأدوارُ إذ تتغيّرُ الصورُ العتيقةُ في البراري. ماذا ستلبسُ يا زمانَ العُريِ.. في حفلِ اقتسامِ الضوءِ ؟ أو حفلِ التعارفِ بين ليلٍ مُشرقٍ كالصحوِ صُبحٍ كالغدائرِ لا تبِينُ له العيونُ ؟! يُقعي الزمانُ العُريُ بين الحيرتينِ.. رُجوعُهُ كُفرٌ.. ويُعجِزُهُ الوُصولُ. يتوكّأُ الزمنُ العجوزُ عليَّ أحمِلُه إذا ضاقتْ أزقّتُهُ أطوفُ به.. عليهِ أقولُ: هذا الصاعدُ العُلويُّ أنتَ وأنتَ هذا النازلُ السُفليُّ أنت حقيبةُ السفرِ التي نَـسِيَتْ بضائعَها وأنت الشوكُ يقتعِدُ الطريقَ وأنتَ حقلُ الياسمينِ وأنتَ طُبشُورُ الجمالِ وأنتَ مِمحاةُ الجمالِ وأنت ما ستراهُ عينُكَ في الطريقِ ولن تراهُ ! حدِّق بِقلبِكَ أيها الزمنُ العجوزُ فهل رأيتَكَ في طريقكَ..؟ هل تعثّرتِ الدروبُ إليكَ..؟ هل آن الأوانُ لنختليْ يوماً.. تُسِرُّ إليَّ فيه بسرِّكَ الأسمى ؟ وهـل سأظلُّ أحملُ همَّكَ الأعمى ؟ متى تصِلُ الحروفُ إلى قصيدتها وتبتسمُ السُدوفُ ؟. يتوقّفُ الزمنُ العجوزُ يقولُ: دعني هاهنا.. فرداً طريقُك في مهبِّ الضوءِ قاتمةٌ فدَعْ عنكَ التشاغُلَ بي أنا الزمنُ المؤقّتُ والمؤبّدُ والرحيلُ يتساقطُ الزمنُ الخريفُ على يديْ ورَقاً تكسَّرَ أصفراً كالوهمِ أجمعُـهُ.. وتجمعُهُ الرياحُ. وحدي على الكُرسيِّ أجلِسُ في خريفِ حديقتي زمناً وأُشرقُ مِن جهاتي السِتِّ مُضطرِباً يُحاصِرني الأُفولُ وسُدىً أُحاولُ أنْ أُجمِّعَ ما تشرَّدَ مِن غيومِ سماءنا وأُوحِّدَ الذكرى بكُلِّ محاجر الماضي.. لِتتحِدّ الفُصولُ.


الكاتب: عبدالله بيلا
0المفضلة
739 المشاهدات
0 تعليقات