الدّودة الأخيرة
Dec 9, 2020 12:48 PM Dec 9, 2020 12:48 PM
اِزْدَحَمَ الدودُ عَلَى جُثَّةٍ أضْفَى عَلَيْهَا نَسْجُ أضْرَاسِها حُلَّةَ نُعْمَى ، أذْهَبَتْ طِيبَهَا وَاسْتَنْفَدَتْ آخِرَ أنْفَاسِها * * * كمْ قُلِّبتْ فَوْقَ فِرَاشٍ وَثِيرْ وَكَمْ تَرَوَّتْ مِنْ مَعِينِ السُّرُورْ وَاسْتَخْدَمَتْ فِي عَيْشِهَا زُمْرَةً كَبِيرُهَا يَهْرَعُ قَبْلَ الصَّغِيرْ * * * الأَمْرُ أمْرٌ نَافِذٌ حُكْمُهُ وَالنَّهْيُ نَهيٌ بَالِغٌ شَأْنُهُ حَازَتْ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعَ المُنَى فَأَيْنَ (هارون) وسُلْطَانُهُ؟ * * * هذِي الملايينُ بِلاَ حَاسِبٍ من ذلِكَ الدُّودِ الكَثِيرِ الكَثِيرْ امْتَارَهَا مَائِدَةً دَسْمَةً وَبَاتَ يَرْعَى في حِمَاهَا النَّضِيرْ * * * لَوْ شَامَهَا في قَبْرِهَا شَائِمٌ لَتَلِفَتْ لِلْهَوْلِ أعْصَابُهُ مَنْظَرَ قُبْحٍ بَعْدَ حُسْنٍ فَمَا لَذَّةُ عَيْشٍ تِلْكَ أعْقَابُهُ ؟! * * * أمْسَى يُغَنِّي الدُّودُ في رَوْضَةٍ مَا أخْرَجَتْ أحْسَنَ مِنْهَا السَّمَاءْ أغْصَانُها ، أثْمَارُها ، نورُها يَقْطِفُ مِنْ ألْوانِهَا مَا يَشَاءْ * * * قَدِ اسْتَوَى المَأْمُورُ وَالآمِرُ فِيها ، وأمْسَى العَبْدُ كالسَّيِّدِ فَمَنْ يجدْ في رأْسِهِ عزَّةً شُجَّتْ غداً ، بِالتُّرْبِ والجَلْمَدِ * * * ثُمَّ خَلاَ الدُّودُ إلى بَعْضِهِ مِنْ بَعْدِ أكْلِ الجُثَّةِ العَافِيَهْ وابتَدَأَتْ مَعْرَكَةٌ فَذَّةٌ تَسْحَقُ أوْهامَ المُنَى الغَافِيَهْ * * * تَنَازُعُ العَيشِ لَهُ عِبْرَةٌ كأنَّهُمْ بَعْدَ الوَغَى يَخْلُدُونْ للنَّفْسِ آمالٌ ، وَطُولُ المَدَى يَقْصُرُ إنْ أذْوَتْهُ ريحُ المَنُونْ * * * الدُّودُ يُرْدِيْ بَعْضَهُ جَاهِداً يَقْتَاتُ أَقْواهُ مِنَ الأضْعَفِ كالنَّاسِ ، والطَّبْعُ لَهُ شَاهِدٌ في حَيْثُمَا يَمَّمْتَ مِنْ مَقْذَفِ * * * واخْتُتِمَ المَرْأَى عَلَى دُودَتَيْنْ مِنْ بَعْدِ فتْكٍ وَافْتِراسٍ وأيْنْ قَدْ رَامَتَا خُلْداً فَيَا سُخْفَ مَا تَوَخَّتَاهُ مِنْ خُداعٍ وَمَيْنْ !! * * * واحْتَدَمَ الجُوعُ فَلَمْ تَصْطَبِرْ إحَدَاهُمَا وَانْبَرَتِ الثَّانِيَةْ كِلْتَاهُمَا تَبْغي البَقَاءَ الَّذي أعْيَا جَميعَ الأُمَم المَاضِيَةْ * * * واشْتَدَّتِ المَعْمَعَةُ الدَّائِرَهْ واسْتضْرَمَتْ جَبَّارَةً جائِرَهْ فَيَا لَها مِنْ صُورَةٍ إنْ تَكُنْ صُغْرَى فَفيهَا المُثُلُ السَّائِرَهْ * * * ما الفَرْقُ بَيْنَ الحَرْبِ عِنْدَ الأنَامْ والحَرْبِ عِنْدَ الدُّودِ ، فَوْقَ الرَّغَامْ ؟! مَنْ كانَ ذَا نَفْسٍ ضَنِيناً بِهَا فَلَنْ يُبالي في هَوَاها الصِّدَامْ * * * حَتَّى وَهَتْ إحْدَاهُما وارْتَخَتْ فَابْتَلَعَتْهَا الدُّودَةُ الظَّافِرَهْ ؟! كَمْ دُودةٍ في بَطْنِهَا يَا تُرَى مِنْ بَعْدِ أنْ كَانَتْ هِيَ الآخِرَهْ ؟! * * * وأصْبَحَتْ في القَبْرِ غَلاَّبَةً لاَ مُلْكَ إلاَّ مُلْكَها في التُّرَابْ انْفَرَدَتْ بالعَيْشِ وَاسْتَيْقَنَتْ وَهْماً ، بأنَّ العُمْرَ رَحْبُ الجَنَابْ * * * ماذا وَرَاءَ النَّصْرِ في حَوْمَةٍ مَغْلُوبُها يُشْبِهُ غَلاَّبَهَا إنَّ الرَّدَى كَأْسٌ ولا بُدَّ أنْ يَجْرَعَ جَبَّارُ القُوَى صَابَها * * * يَسْتَبْشِرُ المَنْصورُ في غَدْوَةٍ وَمَا دَرَى ماذا يُجِنُّ المَسَاءْ ؟! وَكَمْ لوَاءٍ فَازَ صُبْحاً فإنْ جَاءَ الدُّجَى حُطِّمَ ذاكَ اللِّوَاءْ * * * وَخُدْعَةُ العَيْشِ طَبِيعيَّةٌ لِكنَّها تُذْهِلُ عَمَّا يُرامْ أعِشْتَ ألْفاً؟ أمْ ثَلاَثاً؟ فما بَعْدَ ، سِوَى تَرْكِكَ تَحْتَ الرِّجَامْ * * * وَغَبَرَتْ سَاعَاتُ بَرْحٍ ألِيمْ ونَالَهَا في الجُوعِ أمْرٌ عَظِيمْ حَالَةُ نَحْسٍ بَعْدَ سَعْدٍ ، وَهَلْ مِنْ حَالَةٍ عِنْدَ اللَّيالِي تَدُومْ ؟! * * * وَجَهِدَتْ تُبْقِي على نَفْسِها مَا ادَّخَرَتْهُ مِنْ ذِمَاءِ الحيَاةْ تَنْهَشُ مِنْ أحْشَائِهَا مَا تَقِي بِهِ كَريمَ الرُّوحِ كَرْبَ الوَفَاةْ * * * خُطْبَتُها تَمَّتْ ، ولاَ ضَيْرَ أنْ يُمْنَى خَطِيبٌ مِصْقَعٌ بالسُّكُوتْ بَالِعَةُ الجُثَّةِ مَعْ دُودِهَا آنَ لها مُرْغَمَةً أنْ تَمُوتْ ؟!


الكاتب: حسين سرحان
0المفضلة
395 المشاهدات
0 تعليقات