• بكائيّة على مَقامِ الكُرد

    (في رثاء المقاتلة الكردية بارين كوباني)*     فِي الْبُطُونِ الْأَبِيَّةِ جِيلٌ سَيَسْأَلُ عَنْ كُنْهِ (بَارِينَ) فَانْتَبِهُوا وَأَجِيبُوا بِأَلْسِنَةٍ مِنْ لَهَبْ لَا تَقُولُوا: مُقَاتِلَةٌ وَهَبَتْ لِلسَّلَامِ ضَفِيرَتَهَا لَا تَقُولُوا: فَتَاةٌ مُنَوَّرَةٌ نَزَحَتْ مِنْ شَمَالِ حَلَبْ   لِلْأَجِنَّةِ قُولُوا: دَمٌ لَبِقٌ فِي جِرَاحِ الْعَدَالَةِ زَغْرُودَةُ الْفَجْرِ فِي حَلْقِ لِيْلَتِنَا الْعَانِسِ الْلَهْجَةُ الْمِشْمِشِيَّةُ ذَاعَتْ عَلَى شَاشَةِ الْحَرْبِ آدَابَهَا آيَةٌ فَرَدَتْ شَعْرَهَا فِي كِتَابِ الْغَضَبْ *** الْبَنَاتُ الْجَمِيلَاتُ قِسْنَ قُبَيْلَ الزِّفَافِ فَسَاتِينَهُنَّ وَ(بَارِينُ) قَاسَتْ قُبَيْلَ الْقِيَامَةِ بَذْلَتَهَا الْعَسْكَرِيَّةَ وَاتَّخَذَتْ مِنْ شَرِيطِ الرَّصَاصِ عَرِيسَا! ... كَانَتِ امْرَأَةُ التِّيلِفِزْيُونِ تَضْبِطُ مِكْيَاجَهَا وَتُرَاجِعُ فِي الْهَاتِفِ الْعَنْكَبُوتِيِّ مَوْضُوعَ حَوَّاءَ قَبْلَ الْهَوَاءِ وَ(بَارِينُ) كَانَتْ عَلَى قَفَصٍ لِلْقَنَابِلِ قَاعِدَةً تَتَحَدَّثُ فِي شَجَنٍ لِرَفِيقَتِهَا: وَطَنِي يَا رَفِيقَةُ يُؤْلِمُنِي أَنْ يَنَامَ تَعِيسَا! ... (مِنْ شُكُولَاتَةِ الْأَمْسِ وَاحِدَةٌ بَقِيَتْ) قَالَتِ الْجَامِعِيَّةُ لِلْجَامِعِيِّ فَوَاعَدَهَا بِالْمَزِيدِ وَ(بَارِينُ) يُوشِكُ أَنْ يَتَسَلَّى بِأَعْنَابِهَا السَّافِلُونَ (مِنَ الطَّلَقَاتِ الشَّرِيفَةِ وَاحِدَةٌ بَقِيَتْ) هَمَسَتْ ثُمَّ أَطْلَقَتِ الرَّحْمَةَ الْأَبَدِيَّةَ فِي رُوحِهَا يَا كِلَابُ خُذُوا جَسَدِي لَحْمَةً جِيفَةً لَا حَرِيرًا نَفِيسَا! ... حُرَّةً صَارَتِ الْآنَ (بَارِينُ) وَالْعَالِمُ الْمُتَفَرِّجُ صَارَ حَبِيسَا! *** لَمْ تَمُتْ! إِنَّمَا عَلَّقَتْ رُوحَهَا جَرَسًا أَحْمَرًا فَوْقَ بَوَّابَةِ الْعَصْرِ يَضْرِبُ يَضْرِبُ كَيْلَا تَحُشَّ الْبَلَادَةُ أَلْسِنَةَ الدَّاخِلِينَ وَلَا يَتَدَلَّى السُّكُوتْ   لَمْ تَمُتْ! هَذِهِ بُنْدُقِيَّتُهَا فَوْقَ تَبَّةِ رَمْلٍ تُصَوِّبُ آمَالَهَا وَعَلَى كَتِفِ الْجُنْدِ بَعْدَ انْتِصَارَاتِهِمْ تَرْقُصُ الدَّبْكَةَ الْحَقْلُ يَعْرِفُهَا وَالشَّوَارِعُ مُنْحَدَرَاتُ الْجِبَالِ الْمَسَاجِدُ لَيْلُ الْقُرَى سَيِّدَاتُ الْبِيُوتِ   لَمْ تَمُتْ! بَعْدَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا سَتَرَاهَا وَ(عِفْرِينُ) تَشْهَقُ نَيْرُوزَهَا سَتَرَاهَا عَلَى الْجَبَلِ الْحُرِّ تَحْصُدُ أَشْجَارَ زَيْتُونِهَا سَتَرَاهَا تُرَوِّقُ آنِيَةَ الْوَرْدِ وَهْيَ تُدَنْدِنُ أُغْنِيَةً عَنْ حَلِيبِ الْمَوَاعِزِ كُرْدِيَّةَ الصَّوْتِ وَالْلَحْنِ وَالْكَلِمَاتِ تَرَاهَا عَشِيقَةَ شَابٍّ يُقَبِّلُهَا بَغْتَةً تَحْتَ ظِلِّ صَنَوْبَرَةٍ يَتَزَوَّجُهَا وَيَلُفُّ لَهَا تَبْغَهَا سَتُدَاعِبُهُ وَهْوَ يَصْنَعُ سَجَّادَهُ: يَا حِبِيبِيَ.. خُذْنِي عَلَى حِجْرِكَ الْحُلْوِ كَوْمَةَ خَيْطٍ حَرِيرِيَّةٍ وَسَتَجْلِسُ فِي صَالَةِ الْبَيْتِ مَاسِكَةً دَفْتَرًا لِلْمَصَارِيفِ كَيْ تَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ عَيْشِهِمَا وَتُحَوِّشُ فِي صَدْرِهَا الْبَنْكَنُوتْ   لَمْ تَمُتْ! فَالَّذِي يَغْسِلُ الْأَرْضَ مِنْ عَارِهَا أَبَدًا لَا يَمُوتْ   _________________ *مقاتلة كردية، 25عامًا، نزحت من شمال حلب إلى مدينة عفرين، أطلقت على نفسها رصاصتها الأخيرة كيلا تقع في السبي، ذلك أثناء عملية (غصن الزيتون) التي شنتها تركيا على مناطق يسيطر عليها الأكراد شمالي سوريا في فبراير 2018.

    الكاتب: حاتم الأطير

    0المفضلة

    30 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من حاتم الأطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • بكائيّة على مَقامِ الكُرد