الطَلَب
Jan 12, 2021 06:28 AM Jan 12, 2021 06:28 AM
منهُ ينبثقُ مستقبلُ الفقراء ، و الأحاجيّ ، و الجلاّدون ، والشرائع ، صاحبةُ الجلالة سيّئة المزاج أو البهلولُ الأحمر الأنف الهازئ بالبهاليل . يرقبهُ العظماء في الغسقِ ، تطلّعاً الى ماضٍ قد يتيحُ لهُ الدخول بدونِ انتباه ، أرملةٌ مكشّرة كالمرسلين ، الفيضانُ المزبدُ نع الزئير . نكدّس كلَّ ما لدينا لسدّه عند الفزع ، ونخبطُ مصراعيه حينَ نموت : واذا كانَ مفتوحاً ذات مرّة ، جعلَ أليسَ الضخمة ترى أرضَ عجائب تنتظرُها في ضوء الشّمس ، ولمجرّد أنّه صغير جعلها تذرفُ الدّموع . . قبلَ الشّروع بأسابيع أوصوا على كلّ شيء من أحسن الشركات بتلك البضائع : أدوات لقياس كافّة الأحداث الغريبة ، و عقاقيرَ لتُحرّك الأمعاءَ أو الفؤاد . ساعةٌ بالطبع ، لمراقبة الملاّلة تولّي ، ومصابيحَ للظلمة وستائر لتقي وطأة الشمس ، و أصرّ التطيّر أيضاً على أخذ بندقية ، وخرزٌ ملوّن لتسكين أعين سوءٍ ضارية . كانوا نظرياً على صواب فيما يتوقّعونه لو أنّه كانت هناكَ حالاتٌ يكونون فيها ؛ لكنْ لسوء الحظّ كانوا حالهم : ينبغي ألاّ نُعطي المُسمِّم دواءَ ، ولا المشعوذ عدّة جيدة ، ولا بندقيةً لثقيل مسَوْدَن . . قد انصرفَ الصّحبُ الذين التقوا هُنا و تعانقوا ، كلٌّ لهفوته الخاصّة بهِ ؛ واحدٌ يهرعُ للشهرة والهلاك بكذبةٍ صاخبة ، وخُدرةٌ في قرية تستحوذ الآخر ، حَيْفٌ محليّ حيث يستغرق الموت ُ وقتاً طويلاً : تتلألأ في الشمس محطّة الاتصال الخاوية . كذا يحدثُ في جميع الأرصفة و مفارق الطرق : من يستطيعُ يا أماكنَ التّصميم و الوداع ، أنْ يقولَ إلى أيّ خزي تقودُ المخاطراتِ كلّها ، بوسع أي هديةٍ وداعيةٍ أن تمنح ذاكَ الصّديق وقاية، الموجّه التفكير بشكل يجعلُ خلاصه يتطلّب الأراضي الرديئة والوجهة النّحسة ! كلّ المناظر وكلّ الأجواء تجمّد خوفاً ، لكن ، تقولُ الأقاصيص ، لم يخطرُ قطّ ببال أحد أن الوقتَ المُخصّص يجعلُ هذا مستحيلاً ؛ فحتّى أكثر النّاس تشاؤماً يجعلونَ حدّ أخطائهم عاماً واحداً . من يكون قد بقي من الصّحب اذ ذاك لكي يُخافوا أي فرح يستغرقُ وقتاً أطولَ للتكفير عنه ؛ ومع هذا فمن يُنجزُ بدون اليوم الأضافي الرحلةَ تلك التي يجبُ ألاّ تستغرق أي وقتٍ أبداً ؟ ** في القُرى التي جاءت طفولاتهم منها تنشدُ الضرورة ، أنّ الضرورة بطبيعتها هي هي مهما تكن طريقةُ النشدان وكان من كان الناشِد . غيرَ أن المدينة لم تعتنق مثل هذا المُعتقد ، بل رحّبت بكلٍّ كما لو كان قد جاءَ وحدهُ ، وطبيعةِ الضرورة كالأسى تطابقُ طبيعته هو تماماً . وقدّمت لهم تجاربَ كثيرة ، ووجدَ كلٌّ تجربةً ما تصلحُ للتحكّم يه ، واستقرَّ ليُتقنَ بحذافيرهِ فنّ الكينونةِ لا أحد ؛ جلسَ في فترةِ الغداء حول حافّة النوفرة ، وراقبَ الأحداث يقدمون من الأرياف وضحك . ** تبرّمَ بالمكتبةِ اذ كانت عليها هيئة إعتقاد هادئ بأنّها حقّاً قائمة ، رمى بكتابٍ سخيفٍ لمنافس له ، وارتقى الدرجَ اللولبيّ لاهثاً مطقطقاً . وصرَخَ وهوَ يتمايلُ على الحاجز : " أعتقني ، أيّهذا العدمُ الأبديّ ، ودع كمالك يُقرنُ الآنَ بك ، يا شغفَ الليل الذي لا ينتهي ". وجسدُهُ الطويلُ الأناة ، الذي كان طيلة الوقت يحسُّ رغائب الحجر البسيطة ، و أمّلَ أن يُكافا على تسلّقه ، حملَهُ محمل الوعدِ حين قال ، بأنّه سيُترك وشأنهُ الآنَ أخيراً ، ووثبَ الى فناء الكليّةِ ، وانهار . راقبَ بكلِّ اعضائهِ المعنيّة كيف يمشي الأمراء ، ما تقولُه الزوجاتُ و الأمّهات ، نبَشَ قبوراً قديمةً في قلبه ليعرف . مالشرائع التي قضى الموتى ليعصوها . ووصلَ على مضَض لهذهِ النتيجة : " كل الفلاسفة النظريين كاذبون ؛ حبّ الآخرين يزيدُ في البلبلةِ ؛ نشيدُ الرأفةِ رقصةُ الشيطان " . واستسلمَ للأقدار ونالَ أقصى النجاح فسرعانَ ما أصبحَ ملكَ المخلوقات جمعاء : لكنّ كابوساً في الخريف هزّهُ ، فرأى مقترباً منه نازلاً باطلال دهليز ، شخصاً لهُ قسماتُهُ هو المشوّهةِ ، و بكى وتضخّم ونادى بالويل والثبور . ** هنا في الليالي المظلمةِ بينما عوالمُ الفوز في سبات . يتحرّقُ الحبُّ الفقيد في تأمّلات مجرّدة ، وترتدُ الارادةُ المنفيةُ للسياسة بشِعرملحميّ يستدرّ دمعَ الخائنين . لكن يتمنّى كثيرون لو أنّ برجهُم جُبُّ ؛ فالذين يخشونَ الغرقَ قد يموتونَ عَطَشاً ، والذينَ يرونَ كلّ شيءٍ يُحجبونَ عن النظر : هُنا السّحرةُ العظام الذين وقعوا في سحرهِم همُ يتوقونَ الى مناخٍ طبيعي و هم يتحسّرونَ قائلين : " احذروا السّحرَ " للعابرين . . رأوا أنّ البكارةَ لازمةً لاصطياد وحيد قرن في كلّ حال ، لكنّ لم يروا ان نسبةً عاليةً من العذارى اللاّتي أفلحنَ كُنّ قبيحات الوجوه . كان مقداماً البطلُ قدرَ ما تصوّروه لكنّ صباهُ الغريبَ غابَ عنهم جميعاً ، ساقٌ لهُ مكسورة أرشدته كملاك ، كيفَ يحتاطُ لتحاشي العَثَرات . وهكذا انطلقوا وحدَهُم بجسارة. فيما لم يُكرهوا عليهِ اكراهاً : وتوقّفوا في منتصف الطريق ليقيموا ويستقروا مع أُسْد الصحاري ؛ أو تحوّلوا جانباً بشجاعةٍ سخيفة ، ولاقوا الغول وانقلبوا حجارة . . حَملَقَ في ريبةٍ في الموظّف المُبتسم، يدوّنُ اسمهُ بين اسماء من رُفضت طلباتهم بأن يُقاسوا الألم . وانقطعَ القلمُ عن الصّرير : لقدْ جاء بعدَ فواتِ الأوان للالتحاق بالشهداء . لكِنْ مازال بين المُغرّرين محلٌّ للسان سليط لامتحانِ عزم الشباب بحكايات عن مفاشل الكبارالطفيفة ، وتخجيل المُتلهّفين بمديح ساخِر . مع انّ المرايا قد تكونُ لحينٍ بغيضة فانّ النّساء والكتبَ ينبغي ان تُعلّم كهولته براعةَ المقارعة في اسلوبٍ غير مُتكلّف لدرءِ الصّمت وحبس جِنّاته المُتسارعة في قفص من ابتسامةٍ دنيوية . . المُفرطُ في المنطق هامٌّ بالسّاحرةِ فحوّلتها حجّتها حجراً ، وسرعانَ ما امتصَّ اللصوصُ المفرطَ في الغنى ، والمُفرطُ في الشعبيّةِ جُنَّ وحيداً ، وجعلتِ القُبلات المُفرطَ في الفحولةِ وحشاً . سُرعانَ ما بُطلت فعاليتهم كأشخاص ، ولكنْ ، بنسبةِ ما بدا أنّهم يفشلون ، ازدادت قيمته كوسائل لدى الذينَ بوسعِهم بعدُ أن ينصاعوا لرغباتِهم . يتحسّسُ العُميُ طريقَهم بالحجارةِ القائمةِ ، وهوجُ الكلاب تُكره الجبناءَ على القِتال ، و يساعد المتسوّلون المتأنّين على الترحال بمتاع خفيف ، وحتّى المجانين يتمكّنون في هذرهم لأنفسهم من التعبير عن حقائقَ مُزعجة . ** هَبْ أنّه كانَ أصغى لقول اللجنة اللوذعية ؛ لما وجدَ إلاّ المكانَ الذي عليهِ ألاّ يُفتّش فيه ؛ هَبْ أنّ كلبَه حين صفّر كان أطاعه ، لما نبشَ المدينة المدفونة ، هَبْ انّه كانَ قد طردَ الخادمةَ المتهاملة ، لما رفرفَ النّصُ اللغزي من الكتاب . صرخ : "انا لمْ أكُن نفسي " وهو يخطو صحيحَ الجسم مشدوهاً ، فوقَ جُجمةِ سالفٍ من سالفيه ؛ " انّما الابياتُ لا معنى لها دارت تُدندنُ في رأسي وتركت أبا الهول الفكريّ في ذهول ؛ ظفرتُ بالملكة لأنّ شعري كانَ أحمرا ؛ إنّ المُغامرةَ الرهيبةَ مملةٌ بعضَ الشيء " . مِن هُنا عذابُ الفَشَل : " أكانَ محكوماً عليّ على كلِّ حال ، أم أنّني لم أكُن لأفشل لو انّي آمن بنعمةِ الله! ." ** في داخل هذه البوّابات كلُّ انفتاحٍ يُستَهلّ : يصرخُ البياض ويخفق وسطَ اخضره و احمره حيثُ يتظاهرُ الأطفالُ أنّهُم في غمرةِ خطايا جديّةٍ سبع . ويعتقدُ الكلابُ ان ظروفهم الغريبة ميّتة . هُنا تُكسّرُ المراهقةُ اعداداً الدائرةَ الكاملة التي يستطيعُ الزمانُ رسمَها على الحجر ، ويغفرُ الجسدُ الانفصامُ وهوَ يجعل لحظةَ الرضا لدى جسد آخر لحظته هوَ . الرّحلاتُ كلّها تنقضي هُنا ؛ الامنيةُ والعبءُ يُرفعان ؛ وحيثُ كثيراً ماخلعت مجدَها الورودُ كعباءةٍ حول الوحشةِ من عانسٍ ما ، بدا العظماءُ الضامرون ، والشهيرونَ بالحديث وقد احمرّوا خجلاً تحتَ تحديق المساء وهُم يتكلّمون واحسّوا أنّ محورَ اراداتهم قد تنقّل . * ترجمة توفيق صايغ


الكاتب: و.هـ . أودن / W. H. Auden
0المفضلة
3168 المشاهدات
0 تعليقات