قصائد
Jan 12, 2021 06:28 AM Jan 12, 2021 06:28 AM
استهلال * بينما يعبر ظلُّ حُبٍّ قُدسيٍّ، أودُّ اليوم أن أرتِّل مزموراً علي مِقْرَئِي القديم. سوف أُدَوْزِنُ نغماتِ الأرغن الصَّارم حينما يتنهد شذِيّاً من مزمار نيسان. سوف تُنضِجُ تفاحاتُ الخريفِ أريجَها، برائحته يشدو الكَنْدرُ والبخورُ، ستفوح شجيرات الورد بعطرها الغضِّ في سكون ظل البستان المزهر والدافئ. مع التآلف الخفيض والبطيء للموسيقي والأريج، سيعلي الباعثُ الوحيدُ النبيلُ والقديمُ لِصَلاتي تحليقه الناعمَ، تحليقَ حمامةٍ؛ وسوف تعلو الكلمة البيضاءُ نحوَ المذبح. XXI الثانية عشرة، دقتِ الساعة... وكانت اثنتا عشرة ضربة مِعْولٍ في الأرض... ... إنها ساعتي ـ صرختُ ـ ... أجابني الصمتُ: ــ لا تخفْ، أنتَ لن تري القطرةَ الأخيرةَ المرتعشةَ تسقطُ في الساعةِ المائيةِ. مازِلْتَ ستنام ساعاتٍ عديدةً علي الضِّفَّةِ القديمةِ، وذات صباح صافٍ ستجدُ مركبك موثوقاً إلي ضفةٍ أخري. XXII فوق الأرض المُرَّةِ للحلمِ طرقٌ متاهيةٌ، دروبٌ متعرِّجَة، حدائقُ مزهرة، ظليلة وصامتة، سراديبُ عميقة، سلالمُ فوقَ نجومٍ، أيقوناتُ آمالٍ وذكرياتٍ. وجوهٌ تعبرُ وتبتسمُ ـ لعبٌ كئيبة لشيخٍ ـ صورٌ حميمةٌ في المنعطفِ المُزهر للدَّرْب، وخيامِرُ وردية تشقُّ الطريقَ... بعيداً ... XXIII في أرض الطَّريق العاريةِ تنبثقُ السَّاعة المُزهرة، شوكٌ أعزلُ، من الوادي المُستكين عِنْدَ الانعطافةِ الوارفةِ. يعيدُ المزمورُ الحقيقيُّ، خافتُ الصوتِ اليومَ للقلبِ والشفةِ الكلمةَ المنكسرةَ والمرتعشةَ. بحاري القديمة تغفو، قد انطفأ زبدُها الرَّنانُ فوق الشاطئ العقيم. والعاصفة تمضي بعيدا في الغيمة المُتجَهِّمة. يعود السَّلامُ إلي السَّماءِ، ينثر النسيمُ الوصيُّ الشَّذَي ثانية علي الحقل، فيبدو ظلك في الخلوةِ المباركةِ. XXIV الشمسُ كرة من نارٍ والقمرُ قرصٌ بنفسجيٌّ. تحطُّ الحمامة البيضاءُ فوقَ أعلي السَّرْوَةِ المئويةِ. رياضُ الآس تبدو من مخمل ذابل مُغبَر. البستانُ والمساءُ ساكنٌ! للماء وقعٌ في فسقيةِ المَرْمَرِ. XXV حفيفٌ واهٍ لأرديةٍ تعبرُ فوق أرض بوار! ودموعٌ مدوية للأجراس القديمة! و جذواتُ الأفق الكابيةُ تنفثُ دخانَها... أشباحٌ لارية بيضاءُ توقدُ أنجماً. ـ افتح الشُّرْفةَ. ساعة الوهم تقتربُ... لقد نامَ المساءُ والأجراسُ تحلمُ. XXVI أواه، يا صُوَرَ الفِناءِ،يا من تزدادون كل يوم خشوعاً و بُعداً: متسولون لابسو أسمال قابعون فوق دُرج من مَرْمَر، بؤساء مُسِحُوا بأبدياتٍ مقدسة، أيادٍ تنبثقُ من معاطفَ قديمة ومن أرديةٍ ممزقةٍ! هل مرَّ بجانبكم وَهْمٌ مقنَّعٌ للصبح المضيء والباردِ في الساعات الأشدِّ سكوناً؟ فوق الرداءِ الأسودِ، كانتْ يدُهُ وردة بيضاءَ... XXVII مازال المساءُ سيمنحُ لابتهالكَ بخورَ الذهبِ، وقد ينتقصُ سمْتُ يوم جديدٍ من ظلكَ المنعزل. بيد أنَّ البلادَ البعيدة لِما وراءَ البحر ليستْ احتفالك بل مكانَ خُلْوتِكَ جنبَ النهر الهادئ، نعلُكَ لن تطأ السَّهلَ الخاملَ ولا رمالَ الضَّجَر. دانية جداً، يا حاج، هي أرضُ أحلامِكَ الخضراء المقدسة المزهرة، دانيةٌ جدّاً أيها الحاج أنت الذي تزدري ظلمة الدربِ وماءَ النزل في طريقك. XXVIII لحبنا نفكر في خلق احتفالات العشق، إحراق طيوبٍ جديدةٍ فوقَ جبال لم تطأها قدمٌ وكتمان أسرار وجوهنا الشاحبة، لأننا في ليالي الحياةِ الحمراء نحتفظُ بأقداحنا فارغة بينما يضحكُ عصيرُ الدوالي الذهبية مع صدي البلورِ والزَّبدِ .......................................... عصفورٌ مُتخَفٍّ بين أغصان الروض المنعزل يُغرِّدُ هازئاً... نحن نعتصرُ ظلَيْلَ حلمٍ في قدحنا... وشيء، هو طينُ جسدنا، يحسُّ نداوة البستان كملاطفةٍ. XXIX يشتعلُ في عينيكِ سرٌّ، أيتها العذراءُ الأنوفةُ والرفيقةُ لست أدري أ محبة هي أم بغضاء؟ نور كنانتك السوداء الذي لاينضبُ. سوفَ تمضين معي مادامَ جسدي يُلقي ظلاً ويتبقي بنعلي رملٌ. أأنت الظمأ في طريقي أم الماءُ؟ قولي لي، أيتها العذراءُ الأنوف والرفيقة. XXX بعضُ لوحاتِ الذكري لها نورُ بستان وخلوةُ حقل، وداعة الحلم في المشهدِ العائليِّ المحلوم. وأخري تحفظُ احتفالاتِ أيام ماتزالُ بعدُ بعيدة، دمي لطيفة يضعها راوٍ ضمن مسرحيته ......................................... أمام الشرفة المزهرة هنالك موعد عشق مر. يلتمع المساء في انعكاس أشعة الشمس الحمراء... يتسلق اللبلاب الجدران البيضاء... وعند منعطف شارع ظليل يقبل شبح مستهزئ الناردين. XXXI في ساحةٍ ظَليلةٍ وعلي الحجر العتيق والمقدس للكنيسة ينمو الفِطرُ. هنالك في الفناءِ متسولٌ... روحُه أقدمُ من الكنيسة. يصعدُ متأنياً جداً في الصباحاتِ الباردةِ عبرَ الدُّرج الرُّخامي وحتي ركن حجريٍّ... وهنالك تتراءي يدُه النحيلة في ثنايا معطعفِه الممزَّق. وبمحجري عينيه الغائرين رأي كيف تمرُّ الظلالُ البيضاءُ في الأيام الصَّافية، الظلالُ البيضاءُ للساعات المقدسة. XXXII جذوات شفق بنفسجي تنفث دخانا خلف غابة سرو سوداء... في العريش الظليل ينبوع أخرس يحلم بحبه الحجري المجنح العاري. في الحوض المرمري يرقد الماء الميت. XXXIII حبيبتي، قولي لي، أتذكرين ذلك الأسل الغض الواهن الأصفر في المجري اليابس؟ أتذكرين شقائق النعمان التي كلسها الصيف، شقائق النعمان الذابلة، حرير الحقل الأسود؟ أتذكرين الشمس المتخفية والمتواضعة، تتوهج وترتعش مكسورة في الصباح فوق نبع ماء متصقع؟... XXXIV قال لي فجر ربيعي: أزهرتُ في قلبك المعتم منذ أعوام عديدة، أيها السائر العجوز الذي لا يقطف أزهار الطريق. قلبكَ المجبول من ظل،أيخبئ الأريج القديم لزنابقي العتيقة؟ أما زالت ورودي تعطر الفجر أمام جنية حلمك الماسي؟ أجبت الصبح: لأحلامي وحدها البلور، أنا لست أعرف جنية أحلامي، ولا إن كان قلبي مزهرا. لكن إن كنت تنتظر الصباح الخالص الذي سوف يكسر كأس البلور، لربما منحتك الجنية ورودك وقلبي زنابقك. * من ديوان: خُلوات عن الطريق ترجمة: خالد الريسوني


الكاتب: أنطونيو ماشادو Antonio Machado
0المفضلة
3591 المشاهدات
0 تعليقات