• الإنسان والبحر

    أيها الإنسان الحرّ، سيظلّ البحر عزيزاً على قلبك، البحر مرآتك، تتأمّل بإعجاب روحك في تموّجاته الأبدية. ونفسك ليست أقلّ عمقاً من أغواره. يحلو لك أن تغوص في أحضان صورتك، وتعانقها بعينيك وبذراعيك، بينما يلهو قلبك أحيانا عن أهوائه، بالاستماع إلى صخب وهدير أمواج البحر، العاتية، أنتما الاثنين، غامضان ومتكتّمان. أيها الإنسان، لم يستطع أحد سبر خفايا نفسك. أيها البحر، لا يعرف أحد كنوزك الخفيّة، لشدة حرصكما، على كتمان أسراركما. ومع ذلك، فقد مرّت قرون لا تحصى، وأنتما تتصارعان، دون ندم ولا شفقة، لفرط ما تحبّان المجازر والموت. فيالكما من متصارعين أبديين، أيها الأخوان المصرّان على الشراسة والعناد. ------------- أيها الإنسان الحر ستحب البحر دائماً فالبحر مرآتك تتأمل نفسك في انبساط أمواجه غير المتناهية, في حين أن روحك هاوية لا يقل عنه مرارة ومن دواعي سرورك أن تغوص في أعماق صورتك وتضمها بعينيك وذراعيك وقلبك يلهو أحياناً بخفقانه وبصخب هذه الشكوى الوحشية المتمردة فأنتما غتمضان لا تبوحان فيا أيها الرجل.... لم يستطع أحد أن يسبر أغوار نفسك ويا أيها البحر .... لم يستطع أحد أن يعرف مقدار ثروتك الدفينة في أعماقك لحرصكما الشديد على كتمان أسراركما ومع ذلك فإنكما تحتربان بلا شفقة ولا ندم لأنكما تحبان كثيراً الموت والمجازر يا أيها المتحاربان الأزليان والأخوان اللذان لا يعرفان الهدوء

    الكاتب: شارل بودلير / Charles Baudelaire

    0المفضلة

    17371 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من شارل بودلير / Charles Baudelaire

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الإنسان والبحر